فِكْرَةٌ هُنَا.. وَفِكْرَةٌ هُنَاكَ
بَدَأَتْ حِكَايَتِي عِنْدَمَا طَلَبَتْ مِنِّي مُعَلِّمَتِي طَلَبًا غَرِيبًا وَمُشَوِّقًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ قَالَتْ لِي بِرِقَّةٍ: "أُرِيدُ مِنْكِ يَا بَطَلَتِي أَنْ تَبْحَثِي عَنْ فِكْرَةٍ فَرِيدَةٍ". احْتَرْتُ كَثِيرًا وَتَسَاءَلْتُ فِي نَفْسِي: "فِكْرَةٌ فَرِيدَةٌ! مَاذَا تَعْنِي هَذِهِ الكَلِمَةُ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَجِدَهَا وَأَيْنَ تَخْتَبِئُ؟". وَعِنْدَمَا سَأَلْتُ مُعَلِّمَتِي عَنْ ذَلِكَ، ابْتَسَمَتْ وَأَجَابَتْنِي بِثِقَةٍ: "مَا عَلَيْكِ إِلَّا أَنْ تَبْحَثِي وَسَتَجِدِينَهَا حَتْمًا".
انْطَلَقْتُ فِي رِحْلَةِ البَحْثِ الكَبِيرَةِ، وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ، بَدَأْتُ أُفَتِّشُ بَيْنَ رُفُوفِ مَكْتَبَتِي الصَّغِيرَةِ. قَلَّبْتُ صَفَحَاتِ كُتُبِي وَقِصَصِي، وَفِي الصَّفْحَةِ السَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِي المُفَضَّلِ، لَمَحْتُ فِكْرَةً تَلْمَعُ. لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الفِكْرَةَ الفَرِيدَةَ الَّتِي أَبْحَثُ عَنْهَا، بَلْ كَانَتْ "فِكْرَةً نَيِّرَةً" تُضِيءُ العَقْلَ.
لَمْ أَيْأَسْ، وَفِي يَوْمِ الأَحَدِ، خَرَجْتُ إِلَى الحَدِيقَةِ بَيْنَ الأَزْهَارِ وَالفَرَاشَاتِ. نَظَرْتُ إِلَى سُورٍ قَدِيمٍ نَبَتَتْ فَوْقَهُ زَهْرَةٌ جَمِيلَةٌ، وَقَدْ حَطَّتْ عَلَيْهَا فَرَاشَةٌ رَقِيقَةٌ، وَهُنَاكَ وَجَدْتُ فِكْرَةً أُخْرَى. لَكِنْ يَا لَلأَسَفِ، لَمْ تَكُنْ أَيْضًا هِيَ الفَرِيدَةَ، لَقَدْ كَانَتْ "فِكْرَةً مُذْهِلَةً" تَخْطَفُ الأَنْظَارَ.
وَفِي يَوْمِ الإِثْنَيْنِ، قَرَّرْتُ أَنْ أَبْحَثَ بَعِيدًا عِنْدَ شَاطِئِ البَحْرِ. دَخَلْتُ سِرْدَابًا غَامِضًا فِي قَلْعَةٍ رَمْلِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَبَيْنَ جُدْرَانِهَا وَجَدْتُ فِكْرَةً جَدِيدَةً. لَكِنَّهَا كَانَتْ "فِكْرَةً مُهِمَّةً" لِلْغَايَةِ، وَلَمْ تَكُنْ هِيَ الفِكْرَةَ الفَرِيدَةَ بَعْدُ.
تَابَعْتُ مَسِيرِي، وَفِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، رُحْتُ أُرَاقِبُ مَوْجَاتِ المَاءِ الزَّرْقَاءَ وَهِيَ تَتَلَأْلَأُ. وَعَلَى شِرَاعِ قَارِبٍ يَمْخُرُ عُبَابَ البَحْرِ، لَمَحْتُ فِكْرَةً تَرْقُصُ مَعَ الرِّيَاحِ. وَجَدْتُهَا! لَكِنْ لَا، لَمْ تَكُنْ هِيَ، بَلْ كَانَتْ "فِكْرَةً عَبْقَرِيَّةً" جِدًّا.
وَفِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، دَخَلْتُ الغَابَةَ الكَثِيفَةَ بَيْنَ الأَشْجَارِ العَالِيَةِ. تَسَلَّقْتُ بِنَظَرِي إِلَى أَعْلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ، وَفَوْقَ وَرَقَةٍ خَضْرَاءَ، وَجَدْتُ فِكْرَةً مُخْتَبِئَةً. هَلْ هِيَ الفَرِيدَةُ؟ لَا، لَقَدْ كَانَتْ "فِكْرَةً جَيِّدَةً" فَقَطْ.
لَمْ أَتَوَقَّفْ، فَفِي يَوْمِ الخَمِيسِ، ذَهَبْتُ إِلَى الحَقْلِ الوَاسِعِ. بَحْثُتُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى تَحْتَ قَدَمِ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ تَمْشِي بِنَشَاطٍ، وَجَدْتُ فِكْرَةً. لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فَرِيدَةً، بَلْ كَانَتْ "فِكْرَةً مُدْهِشَةً" تَبْعَثُ عَلَى التَّعَجُّبِ.
وَصَلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي نَحْوَ السَّمَاءِ الوَاسِعَةِ. بَيْنَ النُّجُومِ اللَّامِعَةِ وَالقَمَرِ المُنِيرِ، وَجَدْتُ فِكْرَةً سَاحِرَةً. لَكِنَّهَا كَانَتْ "فِكْرَةً مُلْهِمَةً" تُشْعِرُنِي بِالسَّعَادَةِ، وَلَمْ تَكُنْ بَعْدُ هِيَ الفَرِيدَةَ.
وَعِنْدَمَا جَاءَ يَوْمُ السَّبْتِ التَّالِي، بَحَثْتُ فِي أَكُفِّ وَالِدِيَّ الحَنُونَةِ، وَفِي عِنَاقِهِمَا الدَّافِئِ وَتَقْبِيلِهِمَا لِي، وَجَدْتُ فِكْرَةً فِيهَا الكَثِيرُ مِنَ الحُبِّ، لَكِنَّهَا كَانَتْ "فِكْرَةً رَائِعَةً" وَلَيْسَتْ فَرِيدَةً بِمُفْرَدِهَا.
عُدْتُ إِلَى المَدْرَسَةِ وَقَابَلْتُ مُعَلِّمَتِي، وَقُلْتُ لَهَا بِحُزْنٍ: "لَمْ أَجِدْ أَيَّةَ فِكْرَةٍ فَرِيدَةٍ". سَأَلَتْنِي بِاهْتِمَامٍ: "مَاذَا فَعَلْتِ إِذَنْ؟". فَأَجَبْتُهَا وَأَنَا أَفْتَحُ حَقِيبَتِي: "لَقَدْ جَمَعْتُ كُلَّ الأَفْكَارِ الَّتِي وَجَدْتُهَا فِي طَرِيقِي، وَوَضَعْتُهَا هُنَا فِي حَقِيبَتِي".
عِنْدَهَا، ضَحِكَتِ المُعَلِّمَةُ بِفَرَحٍ، وَرَبَتَتْ عَلَى كَتِفِي بِحَنَانٍ وَقَالَتْ: "هَذِهِ هِيَ الفِكْرَةُ الفَرِيدَةُ!". صَرَخْتُ بِحَمَاسٍ: "يَاهُووو! وَجَدْتُهَا، وَجَدْتُهَا!". لَقَدْ كَانَتْ مَجْمُوعَةُ أَفْكَارِي (النَّيِّرَةِ، وَالمُذْهِلَةِ، وَالمُهِمَّةِ، وَالعَبْقَرِيَّةِ، وَالجَيِّدَةِ، وَالمُدْهِشَةِ، وَالمُلْهِمَةِ، وَالرَّائِعَةِ) هِيَ مَا صَنَعَ الفِكْرَةَ الفَرِيدَةَ فِي النِّهَايَةِ.
وَأَنْتُمْ يَا أَصْدِقَائِي الصِّغَارَ، هَلْ رَأَيْتُمْ فِكْرَةً فَرِيدَةً اليَوْمَ؟