الْمُهَرِّجُ وَبَائِعُ الْبوظَةِ
فِي رُكْنٍ هَادِئٍ مِنْ أَرْكَانِ الْغُرْفَةِ، كَانَ صُنْدُوقُ الْأَلْعَابِ يَحْمِلُ عَالَمًا سِحْرِيًّا لَا يَعْرِفُهُ سِوَى سُكَّانِهِ. وَقَفَ الْمُهَرِّجُ ذُو الْأَنْفِ الْحَمْرَاءِ الْمُسْتَدِيرَةِ، يُرَاقِبُ بِعَيْنَيْهِ السَّوْدَاوَيْنِ الصَّغِيرَتَيْنِ عَقَارِبَ السَّاعَةِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْحَائِطِ، وَهِيَ تَعْزِفُ لَحْنَهَا الرَّتِيبَ: تِيكْ تُوكْ، تِيكْ تُوكْ. كَانَتِ السَّاعَةُ تُشِيرُ إِلَى اقْتِرَابِ التَّاسِعَةِ لَيْلًا، وَهُوَ الْمَوْعِدُ الَّذِي تَدِبُّ فِيهِ الْحَيَاةُ فِي أَوْصَالِ الدُّمَى. الْتَفَتَ الْمُهَرِّجُ حَوْلَهُ لِيَطْمَئِنَّ عَلَى رِفَاقِهِ، فَوَجَدَ الْإِنْسَانَ الْآلِيَّ يَقِفُ بِشُمُوخٍ كَأَنَّهُ ضَابِطُ مُرُورٍ حَازِمٌ، وَخَلْفَهُ يَقِفُ بَائِعُ الْبوظَةِ مُمْسِكًا بِمِقْوَدِ دَرَّاجَتِهِ الْمُلَوَّنَةِ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْهَا أَضْوَاءٌ زَاهِيَةٌ، بَيْنَمَا كَانَ الْقِرْدُ الصَّغِيرُ يَتَحَفَّزُ لِقَرْعِ طَبْلَتِهِ الْمُثَبَّتَةِ حَوْلَ خَصْرِهِ بِوَاسِطَةِ عَصَاهُ الدَّقِيقَةِ.
فَجْأَةً، صَاحَ الْمُهَرِّجُ بِنَبْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّحَدِّي: "نَحْنُ لَا نَعِيشُ فِي حِكَايَاتِ (كَانَ يَا مَا كَانَ)، وَلَا نَقْبَعُ فِي زَوَايَا السِّيرْكِ، بَلْ هَذَا صُنْدُوقُنَا الْخَاصُّ، وَفِيهِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ مَا نَشَاءُ!". اقْتَرَحَ الْمُهَرِّجُ فِكْرَةً غَرِيبَةً جَعَلَتِ الْجَمِيعَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ، حَيْثُ قَالَ: "لِمَ لَا نَتَبَادَلُ الْأَدْوَارَ اللَّيْلَةَ؟ يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُومَ بِعَمَلِ بَائِعِ الْبوظَةِ، وَيُمْكِنُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُومَ بِدَوْرِي". لَمْ يَنْتَظِرِ الْمُهَرِّجُ رَدًّا، بَلْ تَقَدَّمَ نَحْوَ الْبَائِعِ الَّذِي نَزَلَ عَنْ دَرَّاجَتِهِ مُسْتَسْلِمًا لِلْفِكْرَةِ، وَقَامَ الْمُهَرِّجُ بِنَزْعِ أَنْفِهِ الْحَمْرَاءِ لِيَضَعَهَا عَلَى وَجْهِ الْبَائِعِ. رَكِبَ الْمُهَرِّجُ الدَّرَّاجَةَ الْمُلَوَّنَةَ وَهُوَ يَشْعُرُ بِفَرْحَةٍ غَامِرَةٍ، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "الْيَوْمَ، الْمُهَرِّجُ هُوَ مَنْ سَيُطْعِمُكُمُ الْبوظَةَ الْمُلَوَّنَةَ!".
وَمَا إِنْ دَقَّتِ السَّاعَةُ التَّاسِعَةُ بِمُوسِيقَاهَا الْمَعْرُوفَةِ، حَتَّى اصْطَفَّتِ الْعَرَائِسُ بِيَاضُ الْفَسَاتِينِ وَالدِّبَبَةُ اللَّطِيفَةُ فِي صَفَّيْنِ مُنْتَظِمَيْنِ. بَدَأَ الْإِنْسَانُ الْآلِيُّ مَسِيرَتَهُ الْمُنْضَبِطَةَ، لَكِنَّ السِّحْرَ انْقَلَبَ إِلَى فَوْضَى؛ فَالْمُهَرِّجُ لَمْ يَسْتَطِعْ قِيَادَةَ الدَّرَّاجَةِ بِهُدُوءٍ كَمَا يَفْعَلُ الْبَائِعُ، بَلْ كَانَ يَقْفِزُ بِهَا فِي الْهَوَاءِ كَعَادَتِهِ فِي الْعُرُوضِ، فَتَتَرَنَّحُ الدَّرَّاجَةُ وَتَسْقُطُ. وَارْتَبَكَ الْقِرْدُ تَمَامًا، فَلَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَلْحَقُ بِدَرَّاجَةٍ تَقْفِزُ وَتَهْبِطُ، فَأَخَذَ يَدُورُ حَوْلَ نَفْسِهِ بِدَوَائِرَ مَجْنُونَةٍ وَهُوَ يَدُقُّ طَبْلَتَهُ بِعَشْوَائِيَّةٍ. أَمَّا الْبَائِعُ، فَقَدْ كَانَتِ الْأَنْفُ الْحَمْرَاءُ الْكَبِيرَةُ تُغَطِّي عَيْنَيْهِ، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَعَثَّرُ وَيَسْقُطُ مِرَارًا.
تَحَوَّلَ النِّظَامُ إِلَى كَارِثَةٍ؛ حَيْثُ بَدَأَتِ الْبوظَةُ تَتَسَاقَطُ مِنَ الدَّرَّاجَةِ مَعَ كُلِّ قَفْزَةٍ لِلْمُهَرِّجِ، لِتَلْطَخَ مَلَابِسَ الْعَرَائِسِ وَفَرْوَ الدِّبَبَةِ وَحَتَّى جِسْمَ الْإِنْسَانِ الْآلِيِّ. نَظَرَتِ الْعَرَائِسُ إِلَى فَسَاتِينِهِنَّ الْمُتَّسِخَةِ بِعُيُونٍ بَاكِيَةٍ، وَاصْطَدَمَ الْجَمِيعُ بِبَعْضِهِمْ حَتَّى تَهَاوَوْا عَلَى الْأَرْضِ. عِنْدَمَا دَقَّتِ السَّاعَةُ الْعَاشِرَةُ، كَانَ التَّعَبُ قَدْ نَالَ مِنَ الْجَمِيعِ، وَشَعَرَ الْإِنْسَانُ الْآلِيُّ بِدُوَارٍ شَدِيدٍ. وَقَفَ الْمُهَرِّجُ فِي وَسَطِ هَذِهِ الْفَوْضَى، وَشَعَرَ بِخَجَلٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ بِانْكِسَارٍ: "أَنَا آسِفٌ، لَقَدْ ارْتَكَبْتُ خَطَأً كَبِيرًا". قَضَى الْمُهَرِّجُ مَا تَبَقَّى مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ يَمْسَحُ الْبوظَةَ عَنْ مَلَابِسِ رِفَاقِهِ، وَبَقِيَ يُنَظِّفُ الْأَرْضَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ جَمِيعًا إِلَى الصُّنْدُوقِ، مُدْرِكًا أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ خُلِقَ لِيُبْدِعَ فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ.