دهاء الغراب في مواجهة الثعبان الغدار

دهاء الغراب في مواجهة الثعبان الغدار

في غابة بعيدة ممتدة الأطراف، كانت هناك شجرة ضخمة تميزت بأغصانها القوية التي تعانق السماء، وفوق قمة هذه الشجرة، بنى غراب أسود طموح عشا متينا.

قضى الغراب أياما طويلة يطير فيها بين الأشجار والمراعي ليجمع أفضل أعواد القش الجافة، وكان يرتبها بعناية فائقة داخل عشه لتكون مهيأة تماما لوضع البيض، حيث كان يحلم دائما بأسرة صغيرة تعيش معه في أمان.

لم يكن الغراب يعلم أن هناك خطرا يتربص به في الأسفل، حيث كان يسكن في جحر مظلم عند جذع الشجرة ثعبان ضخم يمتاز بالمكر والشر.

بدأ الثعبان يراقب الغراب بصمت وهدوء، منتظرا اللحظة التي يغادر فيها الطائر عشه للبحث عن طعامه.

وبالفعل، حين طار الغراب بعيدا، تسلل الثعبان بسرعة وخفة نحو الأعلى، ودخل العش وسرق بيضة واحدة ثم عاد إلى جحره سريعا دون أن يترك أثرا.

عندما عاد الغراب، شعر بقلق شديد وهو يرى بيضة ناقصة، فبحث عنها في كل مكان وبين الأغصان وبكى كثيرا لحزنه العميق، لكنه لم يجد شيئا ولم يعرف من هو السارق.

تكرر الأمر في اليوم التالي، فبينما كان الغراب يمارس حياته العادية، عاد الثعبان ليسرق بيضة أخرى، مما زاد من حيرة الغراب وانزعاجه.

قرر الغراب أن يستخدم ذكاءه ليكشف هذا اللغز، فتظاهر بالرحيل كعادته لكنه اختبأ خلف شجرة قريبة ليراقب الموقف.

ولم يمض وقت طويل حتى رأى الثعبان يخرج من جحره ويتسلق الشجرة بجرأة ويسرق بيضة جديدة.

عرف الغراب السارق أخيرا، لكن الحزن والهم سيطرا عليه لأنه أدرك أنه طائر ضعيف لا يملك القوة الكافية لمهاجمة ذلك الثعبان القوي والمخيف.

وبينما كان الغراب يجلس في حالة من اليأس، مرت به سلحفاة حكيمة سألته عن سبب حزنه، فأخبرها أن المظلوم الضعيف لا يمكنه هزيمة الشرير القوي.

لكن السلحفاة علمته درسا مهما حين قالت له إن الذكاء والحيلة يمكنهما تحقيق المستحيل وهزيمة القوة الغاشمة.

بدأ الغراب يفكر مليا في كلمات السلحفاة، وقرر أن ينفذ خطة ذكية جدا تعتمد على استغلال قوة الآخرين لصالح عدله.

طار الغراب نحو مزارع القرية، وهناك رأى فتاة صغيرة تقوم بنشر الغسيل فوق سطح أحد المنازل، وكانت قد وضعت بجانبها عقدا جميلا ولامعا.

وبحركة سريعة ومفاجئة، انقض الغراب على العقد اللامع واختطفه بمنقاره وطار به بعيدا.

صرخت الفتاة بأعلى صوتها مستنجدة بالناس، فتجمع رجال القرية وهم يحملون العصي لمطاردة الغراب واستعادة العقد الثمين.

كان الغراب يطير بذكاء، فكان يهبط تارة ويطير تارة أخرى ليتأكد أن الناس يتبعونه ولا يفقدون أثره، حتى وصل أخيرا إلى المكان المنشود.

وعندما وصل إلى جحر الثعبان، ألقى العقد اللامع أمام مدخله مباشرة واختبأ ليراقب ما سيحدث.

خرج الثعبان من جحره فرحا بالعقد الذي سقط أمامه، وفي تلك اللحظة وصل رجال القرية ورأوا الثعبان وبجانبه العقد، فظنوا أنه هو من سرقه.

انقض الناس بعصيهم على الثعبان الشرير وقضوا عليه، ثم استعادوا العقد وانصرفوا بسلام.

فرح الغراب كثيرا بنجاح خطته وتخلصه من عدوه، وعاش بعد ذلك في عشه بأمان، مدركا أن العقل والتدبير هما السلاح الحقيقي في مواجهة الظلم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم