جَمَال فِي مَزْرَعَةِ الأَصْدِقَاءِ الحَزِينَةِ
كَانَ الطِّفْلُ الذَّكِيُّ جَمَالُ يَجْلِسُ فِي غُرْفَتِهِ حِينَ جَاءَهُ صَدِيقُهُ الكَلْبُ الوَفِيُّ "رُوكِي" وَعَلَامَاتُ الحُزْنِ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهِ. أَخْبَرَ رُوكِي جَمَالاً أَنَّ حَيَوَانَاتِ المَزْرَعَةِ جَمِيعَهَا قَدْ قَرَّرَتِ التَّوَقُّفَ عَنِ العَمَلِ وَرَفَضَتِ القِيَامَ بِمَهَامِّهَا اليَوْمِيَّةِ. تَعَجَّبَ جَمَالُ كَثِيراً، وَقَرَّرَ أَنْ يَنْطَلِقَ فَوْراً بِسَيَّارَةِ الأَحْلَامِ السِّحْرِيَّةِ لِيَكْتَشِفَ السَّبَبَ الكَامِنَ وَرَاءَ هَذَا التَّمَرُّدِ.
حِينَمَا وَصَلَ جَمَالُ إِلَى فِنَاءِ المَزْرَعَةِ، وَجَدَ الحِصَانَ "صَهِيلَ" وَاقِفاً بِشُمُوخٍ لَكِنَّ الغَضَبَ يَمْلأُ عَيْنَيْهِ. سَأَلَهُ جَمَالُ بِرِفْقٍ: «مَا بَالُكَ يَا صَهِيلُ؟». أَجَابَ الحِصَانُ بِصَوْتٍ حَزِينٍ: «أَنَا أَجُرُّ عَرَبَةَ صَاحِبِي الفَلَّاحِ فِي السَّفَرِ البَعِيدِ وَالطَّرِيقِ الشَّاقِّ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَافِئُنِي بِمَا أُحِبُّ، فَقَدْ حَرَمَنِي مِنْ قِطَعِ السُّكَّرِ اللَّذِيذَةِ الَّتِي تُشْعِرُنِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ التَّعَبِ».
تَرَكَ جَمَالُ الحِصَانَ وَاتَّجَهَ نَحْوَ الحِمَارِ، فَوَجَدَهُ يَبْكِي بِحُرْقَةٍ. قَالَ الحِمَارُ وَالدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ: «إِنَّ صَاحِبِي الفَلَّاحَ يُحَمِّلُنِي أَحْمَالاً ثَقِيلَةً جِدّاً، وَأَذْهَبُ مَعَهُ إِلَى الحَقْلِ طُوَالَ اليَوْمِ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَفَوْقَ كُلِّ هَذَا التَّعَبِ، فَهُوَ يَضْرِبُنِي بِشِدَّةٍ وَيُعَذِّبُنِي بَدَلاً مِنْ أَنْ يَرْأَفَ بِي».
وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَجَوَّلُ، رَأَى البَقَرَةَ الَّتِي قَالَتْ بِإِصْرَارٍ: «أَنَا أَيْضاً لَنْ أُعْطِيَهُ اللَّبَنَ الصَّافِي الغَنِيَّ بَالعَنَاصِرِ الغِذَائِيَّةِ بَعْدَ اليَوْمِ؛ لأَنَّهُ بَخِيلٌ مَعِي، فَلَا يُعْطِينِي الطَّعَامَ الكَافِي مِنَ العَلَفِ الَّذِي يُقَوِّي جَسَدِي». وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَبْصَرَ جَمَالُ مَشْهَداً غَرِيباً؛ فَقَدْ كَانَتِ الدَّجَاجَةُ تَحْمِلُ صِغَارَهَا فَوْقَ ظَهْرِهَا، بَيْنَمَا كَانَ الدِّيكُ يَحْمِلُ أَمْتِعَتَهُ وَيَسِيرُ بِعَائِلَتِهِ مُغَادِراً المَزْرَعَةِ. سَأَلَهُمَا جَمَالُ عَنْ رِحِيلِهِمَا، فَقَالَ الدِّيكُ: «الدَّجَاجَةُ تُعْطِي البَيْضَ الغَنِيَّ بِالبُرُوتِينِ، وَأَنَا أَسْتَيْقِظُ كُلَّ فَجْرٍ لأُوقِظَ المَزْرَعَةَ كُلَّهَا بِنَشَاطٍ، وَلَكِنَّ الفَلَّاحَ لَا يَهْتَمُّ بِنَا وَلَا بِنَظَافَةِ مَكَانِنَا أَوْ جَوْدَةِ طَعَامِنَا».
وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ وَجَدَ البَطَّةَ تَصِيحُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ؛ لأَنَّ الفَلَّاحَ قَدْ رَدَمَ البُحَيْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تَسْبَحُ فِيهَا مَعَ صِغَارَهَا كُلَّ صَبَاحٍ، وَلِذَلِكَ قَرَّرَتِ الرَّحِيلَ لِلْبَحْثِ عَنْ مَزْرَعَةٍ أُخْرَى فِيهَا مَاءٌ. أَمَّا الخَرُوفُ، فَكَانَ مُسْتَاءً لأَنَّ الفَلَّاحَ كَانَ يَنْزِعُ فَرْوَتَهُ وَهِيَ مَا زَالَتْ صَغِيرَةً، وَلَا يَنْتَظِرُ حَتَّى تَنْبُتَ وَتُصْبِحَ غَزِيرَةً. وَحَتَّى الحَمَامَةُ شَكَتْ مِنْ عَدَمِ اهْتِمَامِهِ بَبِنَاءِ مَسَاكِنَ لَهَا، فَقَرَّرَتْ مَعَ سِرْبِهَا الهِجْرَةَ.
حَتَّى رُوكِي، الكَلْبُ الوَفِيُّ، لَمْ يَسْلَمْ مِنْ سُوءِ المُعَامَلَةِ، فَقَدْ كَانَ حَزِيناً لأَنَّ الفَلَّاحَ يَرْبِطُهُ دَائِماً إِلَى الحَائِطِ وَلَا يَتْرُكُهُ يَمْرَحُ بِحُرْقَةٍ. أَمَّا الثَّوْرُ القَوِيُّ، فَقَدْ تَرَكَ المِحْرَاثَ وَرَفَضَ العَمَلَ قَائِلاً: «كُنْتُ أُسَاعِدُهُ فِي حَرْثِ الأَرْضِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُقَابِلُ مَعْرُوفِي بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ».
أَدْرَكَ جَمَالُ أَنَّ المَوْقِفَ خَطِيرٌ جِدّاً، فَبِدُونِ تَعَاوُنِ هَذِهِ الحَيَوَانَاتِ لَنْ يَجِدَ النَّاسُ طَعَاماً وَلَا خَيْراً، وَلَنْ تَعِيشَ المَزْرَعَةُ فِي سَعَادَةٍ. تَوَجَّهَ جَمَالُ بِسُرْعَةٍ إِلَى الفَلَّاحِ وَتَحَدَّثَ مَعَهُ بِصِدْقٍ عَنْ مَشَاعِرِ الحَيَوَانَاتِ وَحَاجَاتِهَا. شَعَرَ الفَلَّاحُ بِالنَّدَمِ الشَّدِيدِ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ، وَقَرَّرَ فَوْراً أَنْ يُغَيِّرَ طَرِيقَتَهُ؛ فَقَامَ بِالاعْتِذَارِ لِكُلِّ حَيَوَانٍ، وَبَدَأَ بِتَوْفِيرِ السُّكَّرِ لِلْحِصَانِ، وَالعَلَفِ لِلْبَقَرَةِ، وَحَفَرَ البُحَيْرَةَ لِلْبَطِّ، وَبَنَى أَعْشَاشاً لِلْحَمَامِ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَ رُوكِي لِيَلْعَبَ، وَعَاهَدَهُمْ جَمِيعاً عَلَى الرِّفْقِ وَالمَحَبَّةِ، فَعَادَتِ السَّعَادَةُ وَالنَّشَاطُ إِلَى المَزْرَعَةِ مِنْ جَدِيدٍ.