جَنَّاتُ وَ جُمَانَةُ نَحْنُ نُحِبُّ الْمَطَرَ
كَانَتِ الطِّفْلَةُ الذَّكِيَّةُ جَنَّاتُ وَأُخْتُهَا الرَّقِيقَةُ جُمَانَةُ يَقِفَانِ خَلْفَ بِلَّوْرِ النَّافِذَةِ الْكَبِيرَةِ، يُرَاقِبَانِ السَّمَاءَ الَّتِي تَلَبَّدَتْ بِغُيُومٍ رَمَادِيَّةٍ كَثِيفَةٍ. كَانَتِ الْأَمْطَارُ تَنْهَمِرُ مِنْ عَلِيَاءٍ بِغَزَارَةٍ شَدِيدَةٍ، وَحَبَّاتُ الْمَاءِ تَنْقُرُ الزُّجَاجَ بِنَغَمَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ. نَظَرَتْ جَنَّاتُ نَحْوَ الْغَابَةِ الْقَرِيبَةِ، فَبَدَتْ لَهَا سَاكِنَةً وَحَزِينَةً، فَلَا أَطْيَارَ تُغَرِّدُ فِي أَعَالِي الْأَغْصَانِ، وَلَا أَزْهَارَ تَتَمَايَلُ مَعَ النَّسِيمِ، بَلْ بَدَا كُلُّ شَيْءٍ مُوحِشًا وَكَئِيبًا.
تَنَهَّدَتْ جَنَّاتُ بِضِيقٍ وَقَالَتْ: «لَقَدْ مَلَلْنَا الْبَقَاءَ حَبِيسَتَيِ الْمَنْزِلِ يَا جُمَانَةُ، فَمَتَى يَتَوَقَّفُ هَذَا الْمَطَرُ عَنِ النُّزُولِ لِنَخْرُجَ وَنَمْرَحَ؟». أَجَابَتْ جُمَانَةُ بِنَبْرَةٍ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنَ الشَّوْقِ: «نَعَمْ يَا أُخْتِي، كَمْ أَشْتَاقُ إِلَى الرَّكْضِ بَيْنَ أَشْجَارِ الْغَابَةِ الْخَضْرَاءِ، وَقَطْفِ الزُّهُورِ الْمُلَوَّنَةِ، وَمُلَاحَقَةِ الْخِرْفَانِ الْوَدِيعَةِ وَهِيَ تَرْعَى فِي الْمُرُوجِ».
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، دَخَلَتِ الْأُمُّ الْغُرْفَةَ وَسَمِعَتْ مَا دَارَ بَيْنَ ابْنَتَيْهَا مِنْ حَدِيثٍ، فَابْتَسَمَتْ بِحَنَانٍ وَقَالَتْ: «تَعَالَيَا يَا صَغِيرَتَيَّ، حِينَ كُنْتُ فِي مِثْلِ سِنِّكُمَا، كُنْتُ أَنَا أَيْضًا لَا أُحِبُّ الْمَطَرَ، وَأَرَاهُ عَائِقًا يَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ». انْدَهَشَتِ الصَّغِيرَتَانِ، لَكِنَّ الْأُمَّ أَكْمَلَتْ قَائِلَةً: «وَلَكِنِّي مَعَ الْوَقْتِ عَرَفْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى صَوَابٍ أَبَدًا، فَأَنَا الْآنَ أُحِبُّ الْمَطَرَ حُبًّا جَمًّا».
ضَحِكَتْ جُمَانَةُ بِتَعَجُّبٍ وَسَأَلَتْ: «كَيْفَ تُحِبِّينَهُ يَا أُمِّي وَهُوَ الَّذِي يَحْرِمُنَا مِنَ الْخُرُوجِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ؟». حِينَهَا تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ صَوْتِ الْأُمِّ، وَظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِهَا مَسْحَةٌ مِنَ الْهُدُوءِ وَالْوَقَارِ، وَرُبَّمَا قَلِيلٌ مِنَ الْحُزْنِ وَهِيَ تَسْتَرْجِعُ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةً. قَالَتْ: «لَقَدْ ذَكَرْتُمَانِي بِقِصَّةٍ حَزِينَةٍ جِدًّا حَدَثَتْ فِي قَرْيَتِنَا قَدِيمًا. كُنْتُ طِفْلَةً أَهْوَى الشَّمْسَ الْمُشْرِقَةَ وَالسَّمَاءَ الزَّرْقَاءَ الصَّافِيَةَ الَّتِي لَا تُكَدِّرُهَا غَيْمَةٌ».
تَابَعَتِ الْأُمُّ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْأُفُقِ: «مَرَّ زَمَنٌ طَوِيلٌ جِدًّا وَالشَّمْسُ لَا تُفَارِقُ كَبِدَ السَّمَاءِ، وَالْجَوُّ صَافٍ لَا مَطَرَ فِيهِ. كُنْتُ فِي الْبِدَايَةِ سَعِيدَةً، أَلْعَبُ وَأَلْهُو كُلَّ يَوْمٍ دُونَ انْقِطَاعٍ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ مِنَ الْكِبَارِ لَمْ يَكُونُوا سُعَدَاءَ مِثْلِي، بَلْ كَانَ الْقَلَقُ يَنْهَشُ قُلُوبَهُمْ».
قَاطَعَتْهَا جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ فِي صَوْتٍ وَاحِدٍ مُتَسَائِلَتَيْنِ: «هَلْ كَانُوا يَبْغَضُونَ الشَّمْسَ وَيُحِبُّونَ الْمَطَرَ؟». وَاصَلَتِ الْأُمُّ حِكَايَتَهَا وَكَأَنَّهَا تَرَى تِلْكَ الْأَيَّامَ أَمَامَ عَيْنَيْهَا: «لَقَدْ تَوَاصَلَتِ الْأَيَّامُ الْمُشْمِسَةُ الْحَارَّةُ لِشُهُورٍ طَوِيلَةٍ، فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَاحِلَةً وَمُتَشَقِّقَةً. ذَبُلَ النَّبَاتُ الصَّغِيرُ، وَيَبِسَتِ الْأَيَّامُ وَيَبِسَ الشَّجَرُ، وَسَقَطَتْ أَوْرَاقُهُ، وَجَفَّتِ السَّوَاقِي، فَرَحَلَتِ الْبَلَابِلُ لِتَبْحَثَ عَنْ مَاءٍ فِي مَكَانٍ آخَرَ. أَمَّا الْأَغْنَامُ وَالْأَبْقَارُ الَّتِي كُنْتِ تُحِبِّينَ مُلَاحَقَتَهَا يَا جُمَانَةُ، فَقَدْ هَزُلَتْ وَضَعُفَتْ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ عُشْبًا أَخْضَرَ تَأْكُلُهُ».
ثُمَّ أَرْدَفَتِ الْأُمُّ بِتَأَثُّرٍ: «كَانَتْ أَيَّامًا قَاسِيَةً جِدًّا عَلَى كُلِّ كَائِنٍ حَيٍّ. فَهَلْ عَرَفْتُمَا الْآنَ يَا صَغِيرَتَيَّ لِمَاذَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ الْمَطَرَ بِفَارِغِ الصَّبْرِ وَيُحِبُّونَهُ؟». نَظَرَتْ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ إِلَى أُمِّهِمَا، وَقَدْ غَمَرَتْ قُلُوبَهُمَا مَشَاعِرُ جَدِيدَةٌ مِنَ الِامْتِنَانِ لِخَالِقِ الْكَوْنِ. قَالَتَا بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ بِالرِّضَا: «نَحْنُ أَيْضًا يَا أُمِّي أَصْبَحْنَا نُحِبُّ الْمَطَرَ كَثِيرًا، لِأَنَّهُ يَسْقِي الْأَرْضَ وَيُعِيدُ الْحَيَاةَ لِلْغَابَةِ، وَلَكِنَّنَا سَنَبْقَى نُحِبُّ الشَّمْسَ أَيْضًا حِينَ تَعُودُ لِتُضِيءَ لَنَا دُنْيَانَا».