جَنّاتُ وَجُمَانَةُ فِي عَالَمِ الأَلْحَانِ

جَنّاتُ وَجُمَانَةُ فِي عَالَمِ الأَلْحَانِ

حَلَّتْ عُطْلَةُ الصَّيْفِ الجَمِيلَةِ، فَأَخَذَ الأَبُ طِفْلَتَيْهِ الذَّكِيَّتَيْنِ جَنَّاتِ وَأُخْتَهَا الصُّغْرَى جُمَانَةَ فِي رِحْلَةٍ مُرِيحَةٍ إِلَى مِصْيَفِ "الصَّنَوْبَرِ الكَبِيرِ"، حَيْثُ نَصَبَ المِقْطُورَةَ بَيْنَ الأَشْجَارِ الوَارِفَةِ. كَانَتْ جَنَّاتُ تَقْضِي وَقْتَهَا فِي اللَّعِبِ مَعَ صَدِيقَاتِهَا، بَيْنَمَا كَانَتْ جُمَانَةُ تَرْكُضُ خَلْفَ كَلْبِهِمَا الوفِيِّ "رُوكِي" وَتُرَاقِبُ قِطَّتَهُمَا الهَادِئَةَ "مُشْمِسٍ" وَهِيَ تَتَثَاءَبُ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ. وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، عِنْدَمَا عَادَتِ الفَتَاتَانِ مِنَ السِّبَاحَةِ، أَخْبَرَهُمَا وَالِدُهُمَا بِأَنَّ هُنَاكَ مِهْرَجَانًا لِلْمُوسِيقَى وَعَرْضًا لِلْفِرَقِ النُّحَاسِيَّةِ فِي المَدِينَةِ المُجَاوِرَةِ. انْطَلَقَتِ العَائِلَةُ بِسُرْعَةٍ عَلَى الدَّرَّاجَاتِ، وَعِنْدَ وُصُولِهِمْ كَانَتِ الشَّوَارِعُ مُزْدَحِمَةً بِالنَّاسِ وَالسُّيَّاحِ، فَسَاعَدَتْهُمْ سَيِّدَةٌ عَجُوزٌ لَطِيفَةٌ فِي إِيجَادِ مَكَانٍ جَيِّدٍ لِرُؤْيَةِ المَوْكِبِ.

بَدَأَ العَرْضُ بِصَوْتِ الطُّبُولِ القَوِيِّ وَأَلْحَانِ التُّرُومْبُونِ وَالسَّاكْسُوفُونِ، وَكَانَ العَازِفُونَ يَرْتَدُونَ مَلَابِسَ زَاهِيَةً تَخْطَفُ الأَبْصَارَ. ذُهِلَتْ جَنَّاتُ مِنْ جَمَالِ الآلَاتِ، وَرَاحَتْ تَسْأَلُ عَنْ أَسْمَائِهَا، فَتَعَرَّفَتْ عَلَى "البُوقِ" وَ"قَرْنِ الصَّيْدِ". وَمِنْ بَيْنِ الحُضُورِ، لَمَحَتْ جَنَّاتُ آنِسَةً تُدْعَى "نُورَ"، وَهِيَ مُدَرِّبَةُ العَرْضِ، الَّتِي دَعَتْهَا لِحُضُورِ حَفْلٍ مُوسِيقيٍّ تُشَارِكُ فِيهِ ابْنَةُ عَمِّهَا "لَيْلَى"، الَّتِي تَعْزِفُ عَلَى آلَةِ "التِّشِيلُّو" الكَبِيرَةِ. انْبَهَرَتْ جَنَّاتُ بِعَزْفِ لَيْلَى الرَّقِيقِ عَلَى المَسْرَحِ، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الحَفْلِ، ذَهَبَتْ لِتُحَيِّيهَا وَتَسْأَلَهَا بِشَغَفٍ: "كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُصْبِحَ عَازِفَةً مِثْلَكِ؟".

ابْتَسَمَتْ لَيْلَى وَدَعَتْ جَنَّاتِ لِزِيَارَتِهَا فِي مَنْزِلِ جَدِّهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِتُعَلِّمَهَا المَبَادِئَ الأُولَى. وَافَقَ وَالِدُ جَنَّاتَ بَعْدَ أَنْ تَحَدَّثَ مَعَ الجَدِّ "إِبْرَاهِيمَ"، الَّذِي رَحَّبَ بِالفِكْرَةِ كَثِيرًا. بَدَأَتِ الدُّرُوسُ بِطَرِيقَةٍ مُبْتَكَرَةٍ، حَيْثُ اسْتَخْدَمَتْ لَيْلَى أَكْوَابًا زُجَاجِيَّةً مَمْلُوءَةً بِالمَاءِ لِتَشْرَحَ لِجَنَّاتَ كَيْفَ تَخْتَلِفُ الأَصْوَاتُ بَيْنَ الحَادِّ وَالغَلِيظِ. ثُمَّ كَانَتِ المُفَاجَأَةُ الكُبْرَى، حَيْثُ أَهْدَتْهَا لَيْلَى آلَةَ "تِشِيلُّو" صَغِيرَةً كَانَتْ تَمْلِكُهَا وَهِيَ فِي سِنِّهَا، بَعْدَ أَنْ قَامَتَا مَعًا بِتَبْدِيلِ أَوْتَارِهَا القَدِيمَةِ وَضَبْطِ أَلْحَانِهَا.

مَرَّتِ الأَيَّامُ، وَكَانَتْ جَنَّاتُ تَتَدَرَّبُ بِجِدٍّ كُلَّ يَوْمٍ، تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَمْسِكُ القَوْسَ وَكَيْفَ تَضَعُ أَصَابِعَهَا عَلَى الأَوْتَارِ لِتُخْرِجَ نَغَمَاتٍ صَافِيَةً. وَرَغْمَ أَنَّ البِدَايَةَ كَانَتْ صَعْبَةً وَمَلِيئَةً بِبَعْضِ "الزَّقْزَقَةِ" المُزْعِجَةِ الَّتِي جَعَلَتْ الكَلْبَ "رُوكِي" يَعْوِي وَالقِطَّةَ "مُشْمِسٍ" تَهْرُبُ، إِلَّا أَنَّ جَنَّاتِ لَمْ تَيْأَسْ. وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، حَلُمَتْ جَنَّاتُ أَنَّهَا تَعْزِفُ وَسَطَ الجِبَالِ الخَضْرَاءِ أَلْحَانًا تَسْحَرُ القُلُوبَ. وَمَعَ اقْتِرَابِ نِهَايَةِ العُطْلَةِ، شَعَرَتْ جَنَّاتُ بِالحُزْنِ لِأَنَّهَا سَتُفَارِقُ صَدِيقَتَهَا لَيْلَى، لَكِنَّ الجَدَّ إِبْرَاهِيمَ طَمْأَنَهَا بَعْدَ أَنْ أَقْنَعَ وَالِدَهَا بِتَسْجِيلِهَا فِي المَعْهَدِ المُوسِيقيِّ لِتُكْمِلَ مَسِيرَتَهَا، بَلْ وَسَمَحَتْ لَهَا لَيْلَى بِأَخْذِ التِّشِيلُّو الصَّغِيرِ مَعَهَا إِلَى المَنْزِلِ. عَادَتِ العَائِلَةُ إِلَى الدِّيَارِ وَجَنَّاتُ تَحْمِلُ فِي قَلْبِهَا حُلْمًا جَدِيدًا وَفِي يَدِهَا آلَةً تَحْكِي قِصَّةَ صَيْفٍ لَا يُنْسَى.


إرسال تعليق

أحدث أقدم