جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ وَصَدِيقُهُمَا الصَّغِيرُ فِي الغَابَةِ
فِي يَوْمٍ دَافِئٍ مِنْ أَيَّامِ نِهَايَةِ الحَصَادِ، كَانَتِ الطِّفْلَةُ المَرِحَةُ جَنَّاتُ تُسَاعِدُ المزارِعَ فِي جَمْعِ القَشِّ الذَّهَبِيِّ وَتَخْزِينِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِجِدٍّ، لَمَحَتْ أَنْفاً صَغِيراً وَرْدِيّاً يَرْتَجِفُ بَيْنَ أَعْوَادِ القَشِّ. اقْتَرَبَتْ بِرِفْقٍ لِتَجِدَ أَرْنَباً بَرِّيّاً صَغِيراً جِدّاً، كَانَ مَذْعُوراً وَلَا يَكَادُ يُحَرِّكُ سِوى رَأْسِهِ الصَّغِيرِ. حَمَلَتْهُ جَنَّاتُ بَيْنَ يَدَيْهَا بِحَنَانٍ وَهِيَ تَقُولُ: "يَا لَكَ مِنْ أَرْنَبٍ مِسْكِينٍ! لَقَدْ نَجَوْتَ بِمُعْجِزَةٍ مِنْ آلَاتِ الحَصَادِ القَاطِعَةِ. لَا تَخَفْ بَعْدَ الآنَ، سَآخُذُكَ مَعِي إِلَى المَنْزِلِ وَسَأُسَمِّيكَ بِنْبِن".
عِنْدَمَا وَصَلَتْ جَنَّاتُ إِلَى البَيْتِ، اسْتَقْبَلَتْهَا أُخْتُهَا الصُّغْرَى جُمَانَةُ بِفَرَحٍ شَدِيدٍ، وَصَاحَتْ: "مَا أَجْمَلَهُ!". قَرَّرَتِ الطِّفْلَتَانِ إِطْعَامَهُ بِاسْتِخْدَامِ زُجَاجَةِ الرَّضَاعَةِ الخَاصَّةِ بِدُمْيَةِ جَنَّاتَ، فَالصَّغِيرُ جَائِعٌ جِدّاً. بَدَأَ بِنْبِن يَنْمو بِسُرْعَةٍ وَيَلْعَبُ مَعَهُمَا طَوَالَ الوَقْتِ، وَكَانَ صَدِيقَهُمَا الكَلْبُ "رُوكِي" يُرَاقِبُهُ بِفُضُولٍ وَيَهُزُّ ذَيْلَهُ، بَيْنَمَا جَلَسَتِ القِطَّةُ "مُشْمِسُ" تَتَأَمَّلُهُ بِهُدُوءٍ. وَكَانَ الجِيرانُ الصِّغَارُ، زَيْدٌ وَسَلْمَى، يَأْتُونَ كُلَّ يَوْمٍ لِيُحْضِرُوا لَهُ طَعَاماً شَهِيّاً مِنَ الهِنْدِبَاءِ وَقُشُورِ التُّفَّاحِ. لَاحَظَتْ سَلْمَى شَيْئاً غَرِيباً فَقَالَتْ: "انْظُرِي، طَرَفُ أُذُنِهِ يَمِيلُ إِلَى اللَّوْنِ الأَزْرَقِ، كَانَ يَجْدُرُ بِنَا تَسْمِيَتُهُ أَزْرَقَ!".
لَكِنَّ الفَرَحَ لَمْ يَدُمْ طَوِيلاً، فَقَدْ بَدَا بِنْبِن حَزِيناً وَفَقَدَ شَهِيَّتَهُ، وَلَمْ يَعُدْ يَرْغَبُ فِي اللَّعِبِ أَوْ تَنْظِيفِ فَرْوِهِ. قَالَتْ جُمَانَةُ بِقَلَقٍ: "لَعَلَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الهَوَاءِ النَّقِيِّ". وَأَكَّدَ زَيْدٌ ذَلِكَ قَائِلاً: "إِنَّهُ أَرْنَبٌ بَرِّيٌّ وَلَا يُمْكِنُهُ العَيْشُ مَحْبُوساً، عَلَيْنا أَنْ نُعِيدَهُ إِلَى حُرِّيَّتِهِ". تذكَّرتْ جَنَّاتُ مَا يَقُولُهُ جَدُّهَا دَائِماً: "عِنْدَمَا نَرْعَى حَيَوَاناً، نُصْبِحُ مَسْؤُولِينَ عَنْهُ"، لِذَلِكَ قَرَّرَتِ الأُخْتَانِ الذَّهَابَ لِلْبَحْثِ عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ لَهُ فِي أَعْمَاقِ الغَابَةِ.
عِنْدَ حَافَةِ الغَابَةِ، رَأَتِ الطِّفْلَتَانِ أَسْرَاباً مِنَ الطُّيُورِ المُغَرِّدَةِ المُلَوَّنَةِ. كَانَتِ المَسَاجِقُ وَالعَصَافِيرُ تَمْرَحُ بَيْنَ الأَغْصَانِ وَتَلْتَقِطُ الحَشَرَاتِ. قَالَتْ جَنَّاتُ لِبِنْبِن: "سَتُحِبُّ هَذَا المَكَانَ، انْظُرْ، هُنَا تَبْدَأُ الغَابَةُ الحَقِيقِيَّةُ!". لَكِنَّ طَائِرَ القَيْقِ الصَّخَّابَ لَمَحَهُمَا أَوَّلاً وَبَدَأَ يَصِيحُ مُحَذِّراً: "خَطَرٌ! هُنَاكَ صَيَّادٌ قَدْ أَمْسَكَ بِأَرْنَبٍ!". فَزِعَتِ الحَيَوَانَاتُ، لَكِنَّ طَائِرَ الحُمَّرَةِ طَمْأَنَ الجَمِيعَ قَائِلاً: "لَا تَخَافُوا، هَذِهِ جَنَّاتُ صَدِيقَةُ الحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُطْعِمُنَا فِي الشِّتَاءِ، إِنَّهَا لَيْسَتْ صَيَّاداً!".
تَابَعَتِ الأُخْتَانِ طَرِيقَهُمَا بِجَانِبِ جَدْوَلِ مَاءٍ حَتَّى لَا تَضِلَّا الطَّرِيقَ. وَفَجْأَةً، رَأَتَا آثَارَ أَقْدَامٍ غَرِيبَةٍ، فَقَالَتْ جَنَّاتُ: "هَذِهِ آثَارُ الغُرَيْرِ، وَتِلْكَ آثَارُ ابْنِ عِرْسٍ، إِنَّهَا حَيَوَانَاتٌ خَطِيرَةٌ عَلَى الأَرَانِبِ الصَّغِيرَةِ، عَلَيْنَا الهَرَبُ!". وَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ، بَرَزَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الخَنَازِيرِ البَرِّيَّةِ وَهِيَ تُصْدِرُ أَصْوَاتاً مُخِيفَةً، فَأَسْرَعَتْ جَنَّاتُ وَعَبَرَتْ مَعَ بِنْبِن جِسْراً مِن جِذْعِ شَجَرَةٍ لِتَصِلَ إِلَى الضَّفَّةِ الأُخْرَى بِأَمَانٍ.
رَأَتِ الطِّفْلَتَانِ سِنْجَاباً رَشِيقاً يَقْفِزُ بَيْنَ الأَشْجَارِ، لَكِنَّهُ هَرَبَ فَجْأَةً عِنْدَمَا ظَهَرَ بَعْضُ الصَّيَّادِينَ. رَكَضَتْ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ بَعِيداً حَتَّى وَصَلَتَا إِلَى مَرْجٍ وَاسِعٍ فِيهِ غِزْلَانٌ وَأَيَائِلُ، فَقَامَتْ جَنَّاتُ بِتَحْذِيرِهِمْ بِصَوْتٍ عَالٍ: "اهْرُبُوا! الصَّيَّادُونَ قَادِمُونَ!". وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَمِعَتَا صَوْتَ آلَةٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ "يَحْيَى" الحَطَّابُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِجِدٍّ.
طَلَبَتْ جَنَّاتُ نَصِيحَةَ "يَحْيَى" فَقَالَ لَهَا: "أَنْتِ شُجَاعَةٌ يَا جَنَّاتُ، تَعَالَيَا مَعِي، سَآخُذُكُمَا إِلَى مَكَانٍ فِيهِ جُحُورٌ كَثِيرَةٌ لِلأَرَانِبِ وَفِيهِ ثِمَارُ تُوتٍ لَذِيذَةٌ". عِنْدَمَا وَصَلُوا، وَضَعَتْ جَنَّاتُ صَدِيقَهَا بِنْبِن فَوْقَ جِذْعِ شَجَرَةٍ وَقَالَتْ لَهُ بِيُؤْسٍ: "كُنْ حَذِراً يَا بِنْبِن، وَتَجَنَّبِ الثَّعَالِبَ وَالصُّقُورَ، سَأَعُودُ لِزِيَارَتِكَ حَتْماً!". بَقِيَ بِنْبِن يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَهُمَا يَبْتَعِدَانِ مُعَاهِدَتَيْنِ إِيَّاهُ بِالوَفَاءِ.
بَعْدَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ، وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ بَارِدٍ مِن شَهْرِ كَانُونَ، عَادَتِ الطِّفْلَتَانِ إِلَى نَفْسِ المَكَانِ. نَادَتْ جَنَّاتُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: "بِنْبِن! بِنْبِن!". وَفَجْأَةً، بَيْنَ الأَعْشَابِ الطَّوِيلَةِ، رَأَتْ طَرَفَ أُذُنٍ زَرْقَاءَ يَتَحَرَّكُ. ابْتَسَمَتْ جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ وَاطْمَأَنَّ قَلْبَاهُمَا، فَقَدْ عَرَفَتَا أَنَّ صَدِيقَهُمَا الصَّغِيرَ أَصْبَحَ كَبِيراً وَيَعِيشُ بِحُرِّيَّةٍ وَسَعَادَةٍ فِي غَابَتِهِ الجَمِيلَةِ.