مَغَامَرَةُ جَنَّات فِي المَدْرَسَةِ
فِي صَبَاحِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، كَانَتْ سَاحَةُ المَدْرَسَةِ تَعِجُّ بِالحَرَكَةِ وَالحَيَوِيَّةِ، حَيْثُ التَقَى الأَصْدِقَاءُ بَعْدَ عُطْلَةِ نِهَايَةِ الأُسْبُوعِ. كَانَ الأَطْفَالُ يَتَبَادَلُونَ الأَحَادِيثَ بِحَمَاسٍ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى وَقْتَهُ فِي نُزْهَةٍ طَوِيلَةٍ عَلَى الدَّرَّاجَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ فِي المَنْزِلِ يَلْهُو بِمَلَابِسِ الجَدَّةِ القَدِيمَةِ. وَفِي وَسَطِ هَذَا الزِّحَامِ، سَأَلَتْ جَنَّات صَدِيقَتَهَا نُور عَمَّا تَحْمِلُهُ فِي سَلَّتِهَا، لِتَكْتَشِفَ أَنَّهَا فَأْرَةٌ بَيْضَاءُ صَغِيرَةٌ فَازَتْ بِهَا فِي المِهْرَجَانِ. لَمْ يَكَدْ يَمْضِي الوَقْتُ حَتَّى دَقَّ الجَرَسُ، وَنَادَتِ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء التَّلَامِيذَ لِلْدُّخُولِ إِلَى الصَّفِّ.
تَوَجَّهَ الجَمِيعُ إِلَى غُرْفَةِ المَلَابِسِ لِوَضْعِ مَعَاطِفِهِمْ، وَهُنَاكَ قَرَّرَتْ نُور إِخْفَاءَ فَأْرَتِهَا فَوْقَ الخِزَانَةِ بَعِيداً عَنِ الأَعْيُنِ، رَغْمَ تَحْذِيرِ جَنَّات لَهَا مِنَ المَشَاكِلِ الَّتِي قَدْ تَقَعُ. وَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، لَاحَظَتْ جَنَّات فَتَاةً جَدِيدَةً تَبْدُو عَلَيْهَا مَلَامِحُ الحَيَاءِ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهَا وَسَأَلَتْهَا بِلُطْفٍ: "هَلْ أَنْتِ الطَّالِبَةُ الجَدِيدَةُ؟". أَجَابَتِ الفَتَاةُ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ: "نَعَمْ، اِسْمِي دُعَاء، وَأَشْعُرُ بِأَنَّنِي تَائِهَةٌ قَلِيلاً". طَمْأَنَتْهَا جَنَّات وَأَخْبَرَتْهَا أَنَّ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء طَيِّبَةٌ جِدّاً، ثُمَّ قَادَتْهَا عَبْرَ الرُّوَاقِ الطَّوِيلِ نَحْوَ مَكَانِ الدِّرَاسَةِ.
دَخَلَتْ جَنَّات مَعَ دُعَاء إِلَى الفَصْلِ، حَيْثُ كَانَ بَقِيَّةُ التَّلَامِيذِ يَنْتَظِرُونَهَا بِشَوْقٍ كَبِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَتْهُمُ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء عَنْ وُصُولِهَا. عَرَّفَتِ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء الجَمِيعَ بِدُعَاء القَادِمَةِ مِنَ الهِنْدِ، وَطَلَبَتْ مِنْ جَنَّات أَنْ تَجْلِسَ بِجَانِبِهَا وَتُسَاعِدَهَا عَلَى فَهْمِ نِظَامِ الصَّفِّ. بَدَأَ الدَّرْسُ الأَوَّلُ فِي الجُغْرَافِيَا، حَيْثُ تَعَرَّفَ الأَطْفَالُ عَلَى مَوْقِعِ الهِنْدِ فِي قَارَّةِ آسِيَا بَاسْتِخْدَامِ الكُرَةِ الأَرْضِيَّةِ، وَأَدْرَكُوا كَمْ هِيَ بَعِيدَةٌ وَتَحْتَاجُ إِلَى السَّفَرِ بِالطَّائِرَةِ.
لَمْ تَقْتَصِرِ الدِّرَاسَةُ عَلَى الفَصْلِ فَقَطْ، بَلْ زَارَ التَّلَامِيذُ المَكْتَبَةَ العَامَّةَ القَرِيبَةَ مِنَ المَدْرَسَةِ. هُنَاكَ، انْبَهَرُوا بِأَعْدَادِ الكُتُبِ المُنَظَّمَةِ، مِن قِصَصٍ وَرِوَايَاتٍ وَكُتُبٍ عِلْمِيَّةٍ. تَمَنَّتْ جَنَّات لَوْ أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ قِرَاءَةَ كُلِّ هَذِهِ الكُنُوزِ، وَبَدَأَ كُلُّ طِفْلٍ بِاخْتِيَارِ كِتَابِهِ المُفَضَّلِ بَعْدَ التَّسْجِيلِ عِنْدَ أَمِينَةِ المَكْتَبَةِ.
وَعِنْدَ حُلُولِ وَقْتِ الِاسْتِرَاحَةِ، خَرَجَ الجَمِيعُ إِلَى السَّاحَةِ لِلْعِبِ وَالمَرَحِ. رَأَتْ جَنَّات طِفْلاً صَغِيراً يَبْكِي لِأَنَّهُ فَقَدَ تَذْكِرَةَ الغَدَاءِ، فَوَاسَتْهُ وَأَكَّدَتْ لَهُ أَنَّهُ سَيَجِدُهَا. كَمَا نَصَحَتْ زَمِيلَتَهَا ثَوَابَة، الَّتِي كَانَتْ تَشْعُرُ بِالبَرْدِ، بِأَنْ تَنْضَمَّ إِلَيْهِمْ فِي اللَّعِبِ لِيَشْعُرَ بِالدِّفْءِ. بَعْدَ ذَلِكَ، شَارَكَتْ جَنَّات وَدُعَاء وَبَقِيَّةُ الأَصْدِقَاءِ فِي لُعْبَةِ "القِطَارِ" الجَمَاعِيَّةِ، مُرَدِّدِينَ الأَنَاشِيدَ وَهُمْ يَرْكُضُونَ بِسَعَادَةٍ.
بَعْدَ الِاسْتِرَاحَةِ، كَلَّفَتِ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء التَّلَامِيذَ بِمَهَمَّةٍ جَدِيدَةٍ؛ وَهِيَ كِتَابَةُ رِسَالَةٍ رَسْمِيَّةٍ لِمُدِيرِ مَطْبَعَةِ الجَرِيدَةِ لِطَلَبِ زِيَارَتِهِمْ. تَعَلَّمَ الأَطْفَالُ كَيْفِيَّةَ صِيَاغَةِ الرِّسَالَةِ بِأَدَبٍ وَوُضُوكٍ، وَاشْتَرَكُوا فِي مَجْمُوعَاتٍ لِكِتَابَةِ المُسَوَّدَاتِ. رَغْمَ بَعْضِ الِاخْتِلَافَاتِ بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ حَوْلَ اخْتِيَارِ الكَلِمَاتِ، إِلَّا أَنَّ المُعَلِّمَةَ لَمْيَاء شَجَّعَتْهُمْ عَلَى التَّعَاوُنِ، وَفِي النِّهَايَةِ، قَامَتْ هُدَى بِكِتَابَةِ الرِّسَالَةِ بِخَطِّهَا الجَمِيلِ.
اِسْتَمَرَّ اليَوْمُ المَدْرَسِيُّ بِتَنَوُّعِ نَشَاطَاتِهِ، فَإِلَى جَانِبِ الحِسَابِ وَالإِمْلَاءِ، مَارَسَ الأَطْفَالُ الرِّيَاضَةَ وَالتَّدْرِيبَ عَلَى رَمْيِ الكُرَةِ. وَعِنْدَ الظَّهِيرَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى المَطْعَمِ المَدْرَسِيِّ، حَيْثُ حَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ صِينِيَّتَهُ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى وَجْبَةٍ شَهِيَّةٍ. وَهُنَاكَ، سُرَّ الجَمِيعُ لِأَنَّ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ وَجَدَ تَذْكِرَةَ غَدَائِهِ فِي مِقْلَمَتِهِ، كَمَا قَامُوا بِمُسَاعَدَةِ زَمِيلَتِهِمْ عَفَاف، الَّتِي كَانَتْ ذِرَاعُهَا مَكْسُورَةً، فِي تَقْطِيعِ طَعَامِهَا.
فِي فَتْرَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، عَقَدَتِ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء وَرْشَةَ عَمَلٍ لِتَحْلِيلِ قَصِيدَةٍ شِعْرِيَّةٍ عَنْ حَلَزُونَيْنِ يُسَافِرَانِ فِي رِحْلَةٍ عَجِيبَةٍ. تَطَوَّعَتْ جَنَّات لِسَرْدِ القِصَّةِ لِزُمَلَائِهَا بِأُسْلُوبٍ شَائِقٍ، مِمَّا حَفَّزَهُمْ جَمِيعاً عَلَى رَسْمِ لَوْحَاتٍ تُعَبِّرُ عَنْ أَحْدَاثِهَا. اِسْتَخْدَمَ الأَطْفَالُ الأَلْوَانَ المَائِيَّةَ، وَحَرَصُوا عَلَى ارْتِدَاءِ مَآزِرَ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ لِحِمَايَةِ مَلَابِسِهِمْ. رَسَمَتْ دُعَاء حَافِلَةً صَفْرَاءَ، بَيْنَمَا رَسَمَتْ حَنَان مَنْزِلاً رِيفِيّاً بَسِيطاً.
وَبَعْدَ أَنْ اِنْتَهَوْا مِنْ أَعْمَالِهِمْ الفَنِّيَّةِ، اِغْتَنَمَتِ المُعَلِّمَةُ لَمْيَاء جَمَالَ الجَوْ لِتَأْخُذَهُمْ فِي نُزْهَةٍ عِلْمِيَّةٍ إِلَى ضِفَافِ النَّهْرِ. هُنَاكَ، رَاقَبَ الأَطْفَالُ الضَّفَادِعَ وَهِيَ تَقْفِزُ فِي المَاءِ، وَسَجَّلُوا مُلَاحَظَاتِهِمْ عَنِ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ. اِقْتَرَحَ بَعْضُهُمْ أَخْذَ بَعْضِ "الشَّرَاغِيفِ" (صِغَارِ الضَّفَادِعِ) لِوَضْعِهَا فِي حَوْضِ المَدْرَسَةِ، مَعَ الوَعْدِ بِالعِنَايَةِ بِهَا وَإِعَادَتِهَا إِلَى النَّهْرِ عِنْدَمَا تَكْبَرُ.
مَعَ نِهَايَةِ اليَوْمِ، دَقَّ جَرَسُ الِانْصِرَافِ، وَرَتَّبَ التَّلَامِيذُ حَقَائِبَهُمْ بِسُرْعَةٍ. عِنْدَ البَوَّابَةِ، كَانَ الأَهَالِي يَنْتَظِرُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وَقَدَّمَتْ دُعَاء جَنَّات لِوَالِدَتِهَا كَصَدِيقَةٍ جَدِيدَةٍ. أَمَّا نُور، فَقَدِ اِسْتَعَادَتْ فَأْرَتَهَا الصَّغِيرَةَ لِتَأْخُذَهَا إِلَى مَنْزِلِ قَرِيبَتِهَا فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء. وَفِي الخِتَامِ، رَكِبَتْ جَنَّات دَرَّاجَتَهَا وَهِيَ تَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ الغَامِرَةِ، مُوَدِّعَةً صَدِيقَتَهَا الجَدِيدَةَ، وَمُسْرِعَةً لِتَضَعَ الرِّسَالَةَ فِي صُنْدُوقِ البَرِيدِ، مُتَطَلِّعَةً لِيَوْمٍ مَدْرَسِيٍّ جَدِيدٍ.