جَنَّاتُ الطَّبَّاخَةُ الصَّغِيرَةُ وَوَلِيمَةُ الصَّدِيقَاتِ
فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مُشْرِقٍ، كَانَتِ الشَّمْسُ تُرْسِلُ خُيُوطَهَا الذَّهَبِيَّةَ لِتَدْخُلَ مِنْ نَافِذَةِ المَطْبَخِ، حَيْثُ كَانَتْ جَنَّاتُ تَقِفُ مُتَحَمِّسَةً وَقَدْ رَبَطَتْ مِئْزَرَهَا الأَبْيَضَ النَّظِيفَ حَوْلَ خَصْرِهَا. لَمْ يَكُنْ هَذَا يَوْماً عَادِيّاً، بَلْ كَانَ يَوْمَ المَغَامَرَةِ الكُبْرَى فِي عَالَمِ الطَّهِي، فَقَدْ قَرَّرَتْ جَنَّاتُ أَنْ تُعِدَّ طَعَاماً شَهِيّاً بِنَفْسِهَا لِتُفَاجِئَ عَائِلَتَهَا وَصَدِيقَاتِهَا. بِجَانِبِهَا، كَانَ كَلْبُهَا الوَفِيُّ "رُوكِي" يُرَاقِبُهَا بِفُضُولٍ، وَهُوَ يَهُزُّ ذَيْلَهُ فَرَحاً، وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ نَصِيبَهُ مِنَ الوَجْبَةِ القَادِمَةِ.
بَدَأَتْ جَنَّاتُ بِتَرْتِيبِ المَطْبَخِ، فَوَضَعَتْ أَوْعِيَةَ الخَلْطِ المُلَوَّنَةَ وَالمَلَاعِقَ الخَشَبِيَّةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ. كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلاً أَنْ تَقْرَأَ كِتَابَ الوَصَفَاتِ بِعِنَايَةٍ، فَالطَّبْخُ فَنٌّ يَحْتَاجُ إِلَى الدِّقَّةِ وَالصَّبْرِ. قَالَتْ لِنَفْسِهَا: "سَأَصْنَعُ حَسَاءً لَذِيذاً، ثُمَّ سَأَخْبِزُ كَعْكَةً تَفُوحُ رَائِحَتُهَا فِي كُلِّ أَرْجَاءِ المَنْزِلِ". أَحْضَرَتِ الخُضْرَاوَاتِ الطَّازَجَةَ؛ الجَزَرَ البُرْتُقَالِيَّ، وَالبَطَاطِسَ المُدَوَّرَةَ، وَالبَصَلَ، وَبَدَأَتْ بِغَسْلِهَا جَيِّداً تَحْتَ مَاءِ الصُّنْبُورِ البَارِدِ حَتَّى صَارَتْ تَلْمَعُ.
بِمُسَاعَدَةِ أُمِّهَا الَّتِي كَانَتْ تُرَاقِبُهَا مِنْ بَعِيدٍ لِضَمَانِ سَلَامَتِهَا، بَدَأَتْ جَنَّاتُ بِتَقْطِيعِ الخُضْرَاوَاتِ إِلَى قِطَعٍ صَغِيرَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ. كَانَ صَوْتُ السِّكِّينِ عَلَى لَوْحِ التَّقْطِيعِ يُشْبِهُ إِيقَاعَ مُوسِيقَى هَادِئَةٍ. بَعْدَ ذَلِكَ، وَضَعَتِ القِدْرَ عَلَى النَّارِ وَأَضَافَتْ القَلِيلَ مِنَ الزُّبْدَةِ، ثُمَّ أَلْقَتْ بِالخُضْرَاوَاتِ لِتَتَصَاعَدَ رَائِحَةٌ زَكِيَّةٌ جَعَلَتْ "رُوكِي" يَعْطِسُ بِمَرَحٍ. أَضَافَتِ المَاءَ وَرَشَّةً مِنَ المِلْحِ وَالأَعْشَابِ العِطْرِيَّةِ، وَتَرَكَتِ الحَسَاءَ يَنْضَجُ عَلَى نَارٍ هَادِئَةٍ وَهُوَ يُحْدِثُ فَقَاقِيعَ صَغِيرَةً.
لَمْ تَتَوَقَّفْ جَنَّاتُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَهَمَّةٍ أَكْثَرَ إِثَارَةً، وَهِيَ صُنْعُ الحَلْوَى. كَسَرَتِ البَيْضَ بِحَذَرٍ، ثُمَّ سَكَبَتِ الدَّقِيقَ الأَبْيَضَ حَتَّى تَطَايَرَ مِنْهُ غُبَارٌ خَفِيفٌ غَطَّى طَرَفَ أَنْفِهَا الصَّغِيرِ، فَضَحِكَتْ جَنَّاتُ وَمَسَحَتْهُ بِطَرَفِ مِئْزَرِهَا. أَضَافَتِ السُّكَّرَ وَالحَلِيبَ، وَبَدَأَتْ تُقَلِّبُ الخَلِيطَ بِقُوَّةٍ حَتَّى أَصْبَحَ نَاعِماً وَكَرِيمِيّاً. وَلِكَيْ تَكُونَ الكَعْكَةُ مُمَيَّزَةً، وَضَعَتْ قِطَعاً مِنَ الشُّوكُولَاتَةِ الدَّاكِنَةِ الَّتِي تَعْشَقُهَا.
بَيْنَمَا كَانَتِ الكَعْكَةُ فِي الفُرْنِ، بَدَأَتْ جَنَّاتُ بِتَجْهِيزِ طَاوِلَةِ الطَّعَامِ. وَضَعَتْ مِفْرَشاً مُطَرَّزاً بِأَزْهَارٍ صَغِيرَةٍ، وَرَتَّبَتِ الأَطْبَاقَ وَالمَلَاعِقَ بِتَنَاسُقٍ بَدِيعٍ. وَضَعَتْ فِي وَسَطِ الطَّاوِلَةِ مَزْهَرِيَّةً فِيهَا وُرُودٌ قَطَفَتْهَا مِنَ الحَدِيقَةِ لِتُضْفِيَ جَمَالاً عَلَى المَكَانِ. كَانَتْ تَشْعُرُ بِفَخْرٍ شَدِيدٍ لِأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهَا وَتُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى قُلُوبِ الآخَرِينَ.
أَخِيراً، نَضِجَ كُلُّ شَيْءٍ. خَرَجَتِ الكَعْكَةُ مِنَ الفُرْنِ ذَهَبِيَّةً مُقَرْمِشَةً، وَانْتَشَرَتْ رَائِحَتُهَا فِي كُلِّ غُرْفَةٍ. حَضَرَتِ الصَّدِيقَاتُ وَجَلَسْنَ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ، وَقَدْ دُهِشْنَ مِنْ مَهَارَةِ جَنَّاتُ. تَذَوَّقْنَ الحَسَاءَ الدَّافِئَ وَأَثْنَيْنَ عَلَى طَعْمِهِ المِثَالِيِّ، ثُمَّ تَنَاوَلْنَ الكَعْكَةَ بِشَهِيَّةٍ كَبِيرَةٍ. فَرِحَتْ جَنَّاتُ كَثِيراً بِكَلِمَاتِهِنَّ اللَّطِيفَةِ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الطَّبْخِ لَيْسَ فَقَطْ تَذَوُّقَ الطَّعَامِ، بَلْ هُوَ المُشَارَكَةُ وَالمَحَبَّةُ الَّتِي نَضَعُهَا فِيمَا نَصْنَعُهُ بِأَيْدِينَا.