جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ فِي بِلَادِ القِصَصِ العَجِيبَةِ

جَنَّاتُ وَجُمَانَةُ فِي بِلَادِ القِصَصِ العَجِيبَةِ

كَانَتِ السَّمَاءُ تُمْطِرُ بِغَزَارَةٍ فِي الخَارِجِ، وَأَصْوَاتُ حَبَّاتِ المَطَرِ تَنْقُرُ عَلَى نَافِذَةِ الغُرْفَةِ بِلَحْنٍ هَادِئٍ. كَانَتْ جَنَّاتُ تَجْلِسُ عَلَى سَرِيرِهَا وَقَدْ بَدَأَ النُّعَاسُ يُدَاعِبُ جُفُونَهَا، بَيْنَمَا كَانَتْ أُخْتُهَا الصُّغْرَى جُمَانَةُ تَعْبَثُ بِأَلْعَابِهَا. وَفَجْأَةً، قَفَزَ الكَلْبُ "رُوكِي" بِحَمَاسٍ فَوْقَ السَّرِيرِ، وَتَبِعَتْهُ القِطَّةُ "مُشْمِشَةُ" بِنُعُومَةٍ. لَمْ يَكُنْ رُوكِي يُرِيدُ النَّوْمَ، بَلْ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَقْتَرِحُ عَلَيْهِمَا مُغَامَرَةً جَدِيدَةً. قَالَتْ جَنَّاتُ وَهِيَ تَتَمَطَّى: "الوَقْتُ تَأَخَّرَ يَا رُوكِي، وَالمَطَرُ يَمْنَعُنَا مِنَ الخُرُوجِ". لَكِنَّ رُوكِي هَزَّ ذَيْلَهُ وَأَشَارَ بِأَنْفِهِ إِلَى كِتَابِ قِصَصٍ كَبِيرٍ مَفْتُوحٍ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: "لِمَاذَا لَا نَتَجَوَّلُ دَاخِلَ هَذَا الكِتَابِ المَلِيءِ بِالأَلْوَانِ؟".

فَجْأَةً، شَعَرَتِ الفَتَاتَانِ بِرَائِحَةِ الوَرَقِ القَدِيمِ وَالحِبْرِ تَمْلأُ المَكَانَ، وَوَجَدَتَا نَفْسَيْهِمَا تَنْزَلِقَانِ بَيْنَمَا رُوكِي وَمُشْمِشَةُ يَتْبَعَانِهِمَا إِلَى دَاخِلِ الصَّفَحَاتِ. هُنَاكَ، فِي عَالَمٍ مَصْنُوعٍ مِنَ الرُّسُومِ، سَمِعَتَا صَوْتَ بُكَاءٍ خَفِيتٍ. كَانَ هُنَاكَ فَتًى صَغِيرٌ يَبْدُو حَزِينًا جِدًّا. اقْتَرَبَتْ مِنْهُ جَنَّاتُ وَسَأَلَتْهُ بِرِفْقٍ: "مَا بَالُكَ تَبْكِي يَا صَغِيرِي؟". أَجَابَ الفَتَى: "اسْمِي (عُصْفُورُ)، وَقَدْ كُنْتُ طَائِرًا غِرِّيدًا جَمِيلًا يَزْهُو بِرِيشٍ ذَهَبِيٍّ، لَكِنَّ سَاحِرَةً شِرِّيرَةً حَسَدَتْنِي عَلَى صَوْتِي وَحَوَّلَتْنِي إِلَى بَشَرٍ. وَلَنْ أَعُودَ لِطَبِيعَتِي إِلَّا إِذَا جَمَعْتُ سَبْعَ رِيشَاتٍ نَارِيَّةٍ مُبَعْثَرَةٍ فِي هَذَا الكِتَابِ".

نَظَرَتْ جَنَّاتُ إِلَى جُمَانَةَ وَقَالَتْ: "لَا تَقْلَقْ يَا عُصْفُورُ، سَنُسَاعِدُكَ!". وَهَكَذَا بَدَأَتِ الرِّحْلَةُ. كَانَتِ المَهَمَّةُ الأُولَى تَتَطَلَّبُ عُبُورَ جِسْرٍ مَصْنُوعٍ مِنْ جِذْعِ شَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ يَقَعُ فَوْقَ هَاوِيَةٍ عَمِيقَةٍ. لَمْ يَرْسُمْ صَاحِبُ الكِتَابِ شَيْئًا فِي قَاعِ تِلْكَ الهَاوِيَةِ، مِمَّا جَعَلَهَا تَبْدُو مُخِيفَةً وَكَأَنَّهَا بِلَا نِهَايَةٍ. تَقَدَّمَتْ جَنَّاتُ بِحَذَرٍ، وَتَبِعَتْهَا جُمَانَةُ وَهِيَ تُمْسِكُ بِطَرَفِ فُسْتَانِهَا، حَتَّى الْتَقَطُوا الرِّيشَةَ الأُولَى الَّتِي كَانَتْ تَلْمَعُ عِنْدَ طَرَفِ الجِذْعِ.

ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، حَيْثُ نَبَّهَهُمْ (عُصْفُورُ) بِأَنْ يَكُونُوا هَادِئِينَ جِدًّا. لَقَدْ وَصَلُوا إِلَى عَرِينِ "القِطِّ المُرْتَدِي لِلْقُبَّعَةِ"، وَهُوَ قِطٌّ ضَخِمٌ لِلْغَايَةِ بِحَجْمِ البَيْتِ، يَرْتَدِي قُبَّعَةً كَبِيرَةً وَيُحِبُّ أَكْلَ العَصَافِيرِ وَالأَطْفَالِ. كَانَتِ الرِّيشَةُ الثَّانِيَةُ مُعَلَّقَةً بِجَانِبِ جَرَسٍ صَغِيرٍ، وَلَوْ رَنَّ الجَرَسُ لَاسْتَيْقَظَ القِطُّ. تَسَلَّلَتْ مُشْمِشَةُ بِخِفَّةٍ وَسَاعَدَتْهُمْ فِي تَمْوِيهِ القِطِّ حَتَّى أَخَذُوا الرِّيشَةَ وَهَرَبُوا.

تَابَعَ الأَصْدِقَاءُ مَسِيرَهُمْ فِي غَابَةٍ غَرِيبَةٍ، كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا مَصْبُوغٌ بِاللَّوْنِ الأَزْرَقِ؛ الأَشْجَارُ، العُشْبُ، وَحَتَّى الحَيَوَانَاتُ. قَالَتْ جُمَانَةُ: "لِمَاذَا كُلُّ هَذَا الزُّرْقَةِ؟". فَأَخْبَرَهُمْ (عُصْفُورُ) أَنَّ الذِّئْبَ الأَزْرَقَ يَخْتَبِئُ هُنَا، وَالحَيَوَانَاتُ تَتَلَوَّنُ بِالأَزْرَقِ لِتَخْتَفِيَ عَنْ أَنْظَارِهِ. وَرَغْمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا رِيشَةً هُنَاكَ، إِلَّا أَنَّهُمْ أَسْرَعُوا بِالخُرُوجِ قَبْلَ أَنْ يَرَوْا ذَلِكَ الذِّئْبَ.

وَصَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَصْرٍ عَظِيمٍ تَسْكُنُهُ السَّاحِرَةُ "خَضْرَاءُ". كَانَ البُسْتَانِيُّ العَجُوزُ (عَمُّ صَالِحٌ) يَحْرُسُ البَوَّابَةَ وَحَذَّرَهُمْ مِنْ دُخُولِ القَصْرِ لِأَنَّ السَّاحِرَةَ تُحَوِّلُ النَّاسَ إِلَى زَوَاحِفَ لِيُنَظِّفُوا لَهَا القَلْعَةَ. لَكِنَّ الرِّيشَةَ الثَّالِثَةَ كَانَتْ تَزِينُ قُبَّعَةَ السَّاحِرَةِ نَفْسِهَا. سَاعَدَتْهُمُ الأَمِيرَةُ "نُورُ" بِفَتْحِ نَافِذَةٍ سِرِّيَّةٍ، حَيْثُ اسْتَطَاعُوا بِذَكَاءٍ سَحْبَ الرِّيشَةِ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ السَّاحِرَةُ.

فِي المَحَطَّةِ التَّالِيَةِ، وَاجَهُوا عِمْلَاقًا ضَخِمًا يُدْعَى (صَخْرٌ). خَافَتْ جُمَانَةُ مِنْ مَنْظَرِهِ، لَكِنَّ (عُصْفُورًا) طَمْأَنَهَا قَائِلًا: "إِنَّهُ صَدِيقِي، وَهُوَ يَتَظَاهَرُ بِالقَسْوَةِ فَقَطْ، لَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ يُحِبُّ لَعِبَ الغُمَّيْضَةِ مَعِي حِينَ يُغْلِقُ الأَطْفَالُ الكِتَابَ". ضَحِكَتِ الفَتَاتَانِ عِنْدَمَا رَأَتَا العِمْلَاقَ يَحَاوِلُ الاخْتِبَاءَ خَلْفَ شَجَرَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تُغَطِّي حَتَّى قَدَمَهُ. قَامَ (صَخْرٌ) بِمُسَاعَدَتِهِمْ لِلْوُصُولِ إِلَى قِمَّةِ شَجَرَةٍ عَالِيَةٍ لِأَخْذِ الرِّيشَةِ الرَّابِعَةِ.

بَعْدَ ذَلِكَ، دَخَلُوا مَمْلَكَةَ التِّنِّينِ "لَهَبٍ"، الَّذِي كَانَ يَنْفُثُ النَّارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَيُحْدِثُ ثُقُوبًا فِي صَفَحَاتِ الكِتَابِ. قَالَتْ جَنَّاتُ بِحَزْمٍ: "لَوْ كُنْتُ أُمَّهُ لَمَا سَمَحْتُ لَهُ بِاللَّعِبِ بِالنَّارِ هَكَذَا!". وَجَدُوا الرِّيشَةَ الخَامِسَةَ تَحْتَ حَجَرٍ مُحْتَرِقٍ وَأَخَذُوهَا بِسُرْعَةٍ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى بَاطِنِ المُحِيطِ، حَيْثُ غَاصُوا بَيْنَ الأَسْمَاكِ المُلَوَّنَةِ لِيَجِدُوا الرِّيشَةَ السَّادِسَةَ مُخَبَّأَةً دَاخِلَ صَدَفَةٍ كَبِيرَةٍ.

لَمْ تَبْقَ إِلَّا رِيشَةٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي مَكَانِهَا المَعْرُوفِ! بَكَى (عُصْفُورٌ) ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ ضَاعَ. لَكِنَّ جَنَّاتُ قَالَتْ: "لَا تَحْزَنْ، لابُدَّ أَنَّ السَّاحِرَةَ الشِرِّيرَةَ قَدْ خَبَّأَتْهَا عِنْدَهَا". وَبِفِكْرَةٍ ذَكِيَّةٍ، نَادَتْ جَنَّاتُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: "يَا أَيَّتُهَا السَّاحِرَةُ، لَقَدْ جَمَعْنَا كُلَّ الرِّيشَاتِ!". خَرَجَتِ السَّاحِرَةُ غَاضِبَةً وَهِيَ تَصْرُخُ: "أَنْتُمْ كَاذِبُونَ! الرِّيشَةُ السَّابِعَةُ فِي يَدِي أَنَا!".

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، هَجَمَ رُوكِي بِنُبَاحِهِ القَوِيِّ مِمَّا أَفْزَعَ السَّاحِرَةَ، وَتَدَخَّلَ العِمْلَاقُ (صَخْرٌ) الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ الإِشَارَةَ، فَقَامَ بِأَخْذِ الرِّيشَةِ مِنْ يَدِهَا وَطَرَدَهَا بَعِيدًا خَارِجَ القِصَّةِ. بِمُجَرَّدِ أَنْ وُضِعَتِ الرِّيشَةُ السَّابِعَةُ مَعَ أَخَوَاتِهَا، حَدَثَ أَمْرٌ سِحْرِيٌّ. تَحَوَّلَ الفَتَى (عُصْفُورٌ) إِلَى طَائِرٍ جَمِيلٍ مَرَّةً أُخْرَى، وَطَارَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ يُغَرِّدُ بِأَجْمَلِ الأَلْحَانِ شُكْرًا لِجَنَّاتٍ وَجُمَانَةَ.

فَجْأَةً، اسْتَيْقَظَتْ جَنَّاتُ عَلَى نُبَاحِ رُوكِي وَهُوَ يَلْعَقُ وَجْهَهَا. نَظَرَتْ حَوْلَهَا، فَوَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي غُرْفَتِهَا مَعَ أُخْتِهَا جُمَانَةَ. ابْتَسَمَتْ جَنَّاتُ وَقَالَتْ: "يَا لَهُ مِنْ عَالَمٍ رَائِعٍ ذَلِكَ الَّذِي نَجِدُهُ دَاخِلَ الكُتُبِ!". نَظَرَتْ إِلَى رُوكِي وَكَأَنَّهُ يَفْهَمُ مَا تَقُولُ، بَيْنَمَا كَانَتْ مُشْمِشَةُ تَنَامُ بِهُدُوءٍ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ مَعَهُمْ فِي تِلْكَ المُغَامَرَةِ السَّعِيدَةِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم