مُفَاجَأَةُ جَنَات وَجُمَانَة فِي المَنْزِلِ
خَرَجَتِ الأُمُّ لِتَبَضُّعِ بَعْضِ الاحْتِيَاجَاتِ، وَتَرَكَتْ جَنَات وَأُخْتَهَا الصُّغْرَى جُمَانَة فِي المَنْزِلِ. بَدَا الوَقْتُ طَوِيلًا جِدًّا، وَشَعَرَتِ الفَتَاتَانِ بِالهُدُوءِ يَعُمُّ المَكَانَ؛ حَتَّى الدُّمَى جَلَسَتْ صَامِتَةً عَلَى الرُّفُوفِ، وَالقِطُّ الصَّغِيرُ "سُكَّر" نَامَ فِي سَلَّتِهِ القُطْنِيَّةِ. نَظَرَتْ جُمَانَةُ مِنَ النَّافِذَةِ وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ حَزِينَةٍ: "مَاذَا سَنَفْعَلُ يَا جَنَات؟ المَنْزِلُ يَبْدُو سَاكِنًا دُونَ أُمِّي". ابْتَسَمَتْ جَنَات وَقَالَتْ: "لَدَيَّ فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ! مَا رَأْيُكِ أَنْ نَصْنَعَ لِأُمِّنَا مُفَاجَأَةً؟ سَنَقُومُ بِتَنْظِيفِ المَنْزِلِ وَتَرْتِيبِهِ كُلِّهِ قَبْلَ عَوْدَتِهَا".
هَتَفَتْ جُمَانَةُ بِمَرَحٍ: "مُوَافِقَةٌ!"، وَبَدَأَ العَمَلُ بِنَشَاطٍ كَبِيرٍ. سَحَبَتْ جَنَات المِكْنَسَةَ الكَهْرَبَائِيَّةَ، وَبَدَأَتْ بِتَنْظِيفِ السَّجَادِ، بَيْنَمَا كَانَتْ جُمَانَةُ الصَّغِيرَةُ تُزيحُ الكَرَاسِيَّ وَتَمْسَحُ الغُبَارَ عَنِ الطَّاوِلَاتِ بِمِنْدِيلٍ نَاعِمٍ. كَانَ القِطُّ "سُكَّر" يَقْفِزُ هُنَا وَهُنَاكَ، مُتَعَجِّبًا مِنْ هَذَا النَّشَاطِ المُفَاجِئِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ المُشَارَكَةَ فِي هَذِهِ المُغَامَرَةِ.
بَعْدَ ذَلِكَ، انْتَقَلَتِ الأُخْتَانِ إِلَى المَطْبَخِ. مَلأَتْ جَنَات الدَّلْوَ بِالمَاءِ وَالصَّابُونِ، وَبَدَأَتْ تَفْرِكُ أَرْضِيَّةَ المَطْبَخِ حَتَّى صَارَتْ تَلْمَعُ كَالمِرْآةِ. أَمَّا جُمَانَةُ، فَقَدْ كَانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ تَجْفِيفِ الأَطْبَاقِ الصَّغِيرَةِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَهِيَ تُرَدِّدُ أُنْشُودَةً لَطِيفَةً. وَبَيْنَمَا هُمَا فِي قِمَّةِ الحَمَاسِ، دَقَّ بَابُ المَنْزِلِ؛ إِنَّهُ بَائِعُ الحَلِيبِ! أَسْرَعَتْ جَنَات وَاسْتَلَمَتْ مِنْهُ قَارُورَةَ الحَلِيبِ الطَّازَجَةِ وَوَضَعَتْهَا فِي الثَّلَّاجَةِ.
لَمْ تَنْسَ جَنَات وَجُمَانَةُ غُرْفَةَ الأَلْعَابِ؛ فَقَدْ كَانَتِ المَكَعَّبَاتُ وَالقِصَصُ مُبَعْثَرَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ. قَامَتَا بِتَرْتِيبِ الدُّمَى فِي صُفُوفٍ مُنْتَظِمَةٍ، وَوَضَعَتْ جُمَانَةُ دُبَّهَا الكَبِيرَ فِي وَسَطِ السَّرِيرِ بَعْدَ أَنْ نَفَضَتْ عَنْهُ الغُبَارَ. ثُمَّ انْتَقَلَتَا إِلَى الحَدِيقَةِ لِجَمْعِ المَلَابِسِ المَنْشُورَةِ، وَرَغْمَ أَنَّ الرِّيَاحَ كَانَتْ تُدَاعِبُ المَلَابِسَ وَتَجْعَلُ الإِمْسَاكَ بِهَا صَعْبًا، إِلَّا أَنَّ تَعَاوُنَهُمَا جَعَلَ المَهَمَّةَ سَهْلَةً وَمُمْتِعَةً.
قَبْلَ مَوْعِدِ وُصُولِ الأُمِّ بِقَلِيلٍ، قَالَتْ جَنَات: "بَقِيَ لَمْسَةٌ وَاحِدَةٌ". أَخْرَجَتِ الفَتَاتَانِ مِفْرَشَ المَائِدَةِ المُلَوَّنَ، وَرَتَّبَتَا الأَكْوابَ وَالمَلَاعِقَ بِأَنَاقَةٍ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَبَيَّنَ لَهُمَا مِنْ خِلَالِ التَّقْوِيمِ المُعَلَّقِ أَنَّ اليَوْمَ مُمَيَّزٌ جِدًّا، فَقَرَّرَتَا قَطْفَ بَعْضِ الأَزْهَارِ البَيْضَاءِ وَالحَمْرَاءِ مِنَ الحَدِيقَةِ لِتَزْيينِ المَائِدَةِ.
حِينَ فُتِحَ البَابُ وَدَخَلَتِ الأُمُّ، تَوَقَّفَتْ عِنْدَ المَدْخَلِ مَذْهُولَةً. رَأَتِ المَنْزِلَ نَظِيفًا، وَالمَائِدَةَ مُرَتَّبَةً، وَرَائِحَةَ النَّظَافَةِ تَفُوحُ فِي كُلِّ رُكْنٍ. رَكَضَتْ جَنَات وَجُمَانَةُ لِارْتِمَاءِ فِي حِضْنِ أُمِّهِمَا وَهُمَا تَقُولَانِ: "مُفَاجَأَةٌ! نَحْنُ نُحِبُّكِ يَا أُمِّي". ضَحِكَتِ الأُمُّ مِنْ قَلْبِهَا وَقَبَّلَتْهُمَا بِحَنَانٍ، مُفْتَخِرَةً بِابْنَتَيْهَا اللَّتَيْنِ أَصْبَحَتَا مَسْؤُولَتَيْنِ وَمُتَعَاوِنَتَيْنِ، وَقَضَى الجَمِيعُ أَمْسِيَةً رَائِعَةً مَلِيئَةً بِالدِّفْءِ وَالسَّعَادَةِ.