زهرة وبدر البدور

زهرة وبدر البدور


في قديم الزمان وفي قلب غابة خضراء واسعة، كان هناك بيت ابيض جميل يلمع تحت اشعة الشمس كأنه لؤلؤة وسط الأشجار. في هذا البيت الهادئ، كانت تعيش فتاة طيبة تدعى زهرة واختها الرقيقة التي كانت تسمى بدر البدور، وكانتا تعيشان مع والدتهما الحنونة التي ترعاهما بكل حب. كانت الفتاتان تشبهان الفراشات في نشاطهما، فمع بزوغ فجر كل يوم، تخرجان معا لجمع اغصان الحطب اليابس من ارجاء الغابة، ثم تذهبان بجد ونشاط الى البحيرة الزرقاء الصافية لإحضار الماء العذب الذي تحتاجه الاسرة. ولم يقتصر عملهما على ذلك، بل كانت كل واحدة منهما تساعد الأخرى في العناية بالماشية داخل الحظيرة الصغيرة الموجودة خلف البيت، بينما كانت الام المثابرة تنشغل بالداخل بإعداد اشهى الأصناف وتدبير شؤون منزلهن الصغير بحكمة وصبر.

وعندما بدأ فصل الصيف يرحل وحل الشتاء ببرده القارس وامطاره الغزيرة، كانت زهرة وبدر البدور قد استعدتا جيدا، فقد قامتا بجمع وتخزين كميات كبيرة من الحطب قبل ان تغطي الثلوج البيضاء الأرض وتحجب الاغصان، وبذلك اصبح لديهن مخزون دافئ يكفي لإشعال النار طوال ايام الشتاء الطويلة. وفي اللحظة التي نقلت فيها الفتاتان اخر حمل من الحطب، بدأت اعاصير الشتاء تزمجر بصوت عال، فأسرعت البنتان والام الى الداخل واغلقن الأبواب جيدا للاحتماء من الجو العاصف والرياح القوية.

وفي ليلة من تلك الليالي الباردة، وبينما كانت الام والفتاتان يجلسن حول ضوء المصباح الدافئ يطرزن بعض الملابس الجميلة، سمعن فجأة صوت طرقات قوية على الباب. قالت الام وهي تنصت: لعله صوت الرياح والاعاصير، فلا اظن ان احدا يجرؤ على السير في الغابة في مثل هذا الجو المخيف. لكن الطرقات تكررت بوضوح ثلاث مرات، مما جعل القلوب تخفق تساؤلا: من بالباب؟ جاء الرد بصوت عميق ومهذب: انا العملاق، لكنني عملاق مسالم، اشعر ببرد شديد يرتجف له جسدي، وقد جئت ارجو منكم السماح لي بالدخول لادفأ قليلا. اشفقت الام والفتاتان على حاله، وفتحن الباب ليدخل عملاق ضخم جدا غطى جسده مساحة كبيرة من المكان.

جلس العملاق بجوار النار المشتعلة وقال لهن بصوت هادئ: انا ضخم جدا كما ترون، وقد يكون منظري مخيفا او قبيحا، ولكني لست شريرا ابدا، ارجو ان تطمئن قلوبكن لي. شعرت الفتاتان بالراحة لكلامه الصادق، فأسرعت زهرة وحضرت له عشاء ساخنا ومغذيا، وبعد ان اكل العملاق وشعر بالدفء يسري في عروقه، شكرهن بأدب شديد على كرمهن وطيبتهن، ووعدهن بأنه قد يعود لزيارتهن مرة أخرى، ثم خرج مختفيا وسط ظلام الغابة واشجارها المتشابكة.

ومع اشراق شمس الصباح، خرجت زهرة وبدر البدور الى الغابة كعادتهما، وإذ بهما تشاهدان قزما عجوزا غريبا يصيح بغضب وانزعاج شديد. اقتربتا منه فوجدتا ان شعر ذقنه الطويل جدا قد اشتبك وتعقد في اغصان شجرة مقطوعة ولم يستطع تخليص نفسه. اسرعت الفتاتان لنجدته بكل مودة، ولكنه بمجرد ان تحرر صرخ فيهما بجفاء: ابتعدا عني! انا لا احب ان اراكما قريبا مني ابدا. تعجبت الفتاتان من سوء خلقه، وشاهدتاه وهو يبتعد مسرعا حاملا على ظهره كيسا كبيرا ثقيلا، فقررتا تتبعه من بعيد لتعرفا سره. دخل القزم كهفا مظلما وافرغ ما في الكيس، فصعقت الفتاتان من هول المنظر؛ فقد كانت هناك قطع ذهبية ومجوهرات واحجار كريمة تلمع وتسحر الابصار.

وبعد مرور عدة أيام، وبينما كان العملاق يتحدث مع زهرة وبدر البدور في الغابة، مر القزم العجوز وهو يحمل كيسا مماثلا. حينها صرخ العملاق بقوة: أيها القزم الماكر، الان لن تستطيع الهروب مني ابدا! وبدأ يطارده بسرعة كبيرة. خاف القزم وترك كيسه الثمين وقفز في النهر ليعبر الى الضفة الأخرى، فقفز العملاق خلفه بكل شجاعة. وفجأة، استخدم القزم سحره الشرير وتحول الى تمساح ضخم ومخيف يحاول التهام العملاق بفكيه القويين، لكن العملاق لم يرتبك، بل التقط جذع شجرة ضخما وهوى به على رأس التمساح بكل قوته فقتله وانتهى شره.

وفي تلك اللحظة، وقعت معجزة مذهلة امام اعين زهرة وبدر البدور، فقد بدأ شكل العملاق الضخم يتلاشى ويختفي، وتحول الى شاب وسيم جدا وامير انيق يرتدي ثيابا فاخرة. نظر الأمير الى الاختين وقال لهما بابتسامة: لقد تخلصت أخيرا من سحر ذلك القزم الملعون الذي سرق ممتلكاتي وحولني بسحره الى عملاق قبيح ومخيف لأجول وحيدا في الغابة. واخبرهما ان القزم كان يسرق أمواله من القصر ويخفيها في الكهف طوال فترة سحره. والان، بعد ان انفك السحر وعاد لشكله الطبيعي، طلب الأمير من بدر البدور ان تكون زوجته وملكة لبلاده، ووعد زهرة بانها ستجد زوجا يليق بجمالها وطيبتها من بين فرسان مملكته. وافقت بدر البدور بسعادة، وانتقلت العائلة كلها مع الأمير الى مملكته الكبيرة، حيث عاشوا جميعا في رخاء وسعادة دائمة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم