مغامرات سندباد 01 بداية الرحلة نحو المجهول

مغامرات سندباد 01 بداية الرحلة نحو المجهول

فِي قَلْبِ مَدِينَةِ بَغْدَادَ العَرِيقَةِ، حَيْثُ تَنْسَابُ مِيَاهُ نَهْرِ دِجْلَةَ بِرِقَّةٍ لِتَحْكِيَ قِصَصَ الزَّمَانِ، بَدَأَتْ سِيرَةُ فَتًى يُدْعَى سِنْدِبَاد.

كَانَ سِنْدِبَادُ يَعْمَلُ كَدَأْبِهِ فِي بَيْعِ المَاءِ البَارِدِ لِيُطْفِئَ ظَمَأَ العَابِرِينَ، وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ، كَانَ صَدِيقُهُ حَسَّان يُعَانِي مِنْ ثِقَلِ عَرَبَةِ الجِرَارِ الَّتِي يَجُرُّهَا، بَيْنَمَا كَانَ صَاحِبُ العَرَبَةِ يَسْتَرِيحُ غَيْرَ مُبَالٍ.

رَقَّ قَلْبُ سِنْدِبَادَ لِصَدِيقِهِ، فَحَاوَلَ مُسَاعَدَتَهُ بِدَفْعِ العَرَبَةِ، لَكِنَّ قَدَمَهُ زَلَّتْ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَحَطُّمِ الجِرَارِ.

وَرَغْمَ أَنَّ الخَطَأَ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، إِلَّا أَنَّ سِنْدِبَادَ بِنُبْلِهِ المَعْهُودِ أَعْلَنَ مَسْؤُولِيَّتَهُ، مِمَّا دَفَعَ وَالِدَهُ لِتَعْوِيضِ البَائِعِ عَنْ خَسَارَتِهِ،.

لَمْ تَقْتَصِرْ مُغَامَرَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَى حَادِثَةِ الجِرَارِ، فَقَدْ أَغْرَى حَسَّانُ صَدِيقَهُ سِنْدِبَادَ بِالتَّسَلُّلِ إِلَى دَارِ الوَالِي، حَيْثُ تُقَامُ حَفْلَةٌ كَبِيرَةٌ تُحْيِيهَا فِرْقَةٌ مِنَ البَهْلَوَانِيِّينَ.

دَفَعَ الفُضُولُ الصَّبِيَّيْنِ إِلَى تَسَلُّقِ الأَسْوَارِ، وَهُنَاكَ انْبَهَرَ سِنْدِبَادُ بِعُرُوضِ "سَحَرَةِ البُحُورِ الثَّلَاثَةِ"، وَأَدْرَكَ حِينَهَا أَنَّ العَالَمَ وَاسِعٌ جِدًّا وَمَلِيءٌ بِالعَجَائِبِ.

لَكِنَّ لَحْظَةَ الانْبِهَارِ انْتَهَتْ بِكَارِثَةٍ، إِذْ تَعَثَّرَ سِنْدِبَادُ فَحَطَّمَ جَرَّةً نَادِرَةً كَانَتْ هَدِيَّةً لِلْوَالِي مِنْ مَدِينَةِ "بُلَيْدَة".

أَمَامَ غَضَبِ الوَالِي وَتَهْدِيدِهِ بِالعِقَابِ الشَّدِيدِ، تَقَدَّمَ وَالِدُ سِنْدِبَادَ بِشَجَاعَةٍ طَالِبًا أَنْ يُعَاقَبَ هُوَ بَدَلًا مِنِ ابْنِهِ.

وَبِفَضْلِ شَفَاعَةِ زَوْجَةِ الوَالِي، الَّتِي ذَكَّرَتْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يُصَادِفُ ذِكْرَى مَوْلِدِ طِفْلِهِمَا، عَفَا الوَالِي عَنْ سِنْدِبَادَ، مُكْتَفِيًا بِحَبْسِهِ يَوْمًا كَامِلًا فِي القَبْوِ بِلَا طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ لِيَتَعَلَّمَ النَّدَمَ عَلَى فِعْلَتِهِ،.

فِي ظُلْمَةِ القَبْوِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ خَيَالُ سِنْدِبَادَ عَنِ الإِبْحَارِ، فَكَانَ يُرَدِّدُ فِي نَفْسِهِ رَغْبَتَهُ العَارِمَةَ فِي الرَّحِيلِ وَاكْتِشَافِ مَا خَلْفَ أَسْوَارِ بَغْدَادَ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَاءَ عَمُّهُ عَلَاء، ذَلِكَ البَحَّارُ الجَسُورُ الَّذِي كَانَ يَرَى نَفْسَهُ أَعْظَمَ رَجُلٍ حِينَ يَتَوَسَّطُ أَمْوَاجَ البَحْرِ الَّذِي لَا يَنْتَهِي.

حَمَلَ العَمُّ عَلَاءٌ لِابْنِ أَخِيهِ هَدِيَّةً فَرِيدَةً؛ عُصْفُورَةً مُتَكَلِّمَةً مِنْ "عَصَافِيرِ التِّلَالِ"، تُدْعَى يَاسْمِينَة، تَفْهَمُ لُغَةَ البَشَرِ وَتَنْطِقُ بِهَا.

لَمْ يَكُنْ سِنْدِبَادُ لِيَدَعَ هَذِهِ الفُرْصَةَ تَفُوتُ، فَأَلَحَّ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِمُرَافَقَةِ عَمِّهِ فِي رِحْلَتِهِ البَحْرِيَّةِ.

وَبَعْدَ تَرَدُّدٍ، وَافَقَ الأَبُ حِينَ لَمَسَ صِدْقَ رَغْبَةِ ابْنِهِ فِي التَّعَلُّمِ وَرُؤْيَةِ العَالَمِ.

وَهَكَذَا، غَادَرَ سِنْدِبَادُ مَدِينَتَهُ مَعَ العَمِّ عَلَاء، بَعْدَ أَنْ وَعَدَ أَهْلَهُ بِالعَوْدَةِ مُحَمَّلًا بِالهَدَايَا الرَّائِعَةِ، لِتَبْدَأَ أَوَّلَى رِحْلَاتِهِ نَحْوَ المَجْهُولِ، حَيْثُ تَنْتَظِرُهُ جَزِيرَةٌ عَائِمَةٌ وَمُغَامَرَاتٌ لَا تَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم