مغامرات سندباد 02 أُسْطُورَةُ الحُوتِ العَائِمِ
بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لَهُ وَالِدُهُ بِخَوْضِ غِمَارِ البِحَارِ وَالسَّفَرِ مَعَ عَمِّهِ "عَلَاءِ الدِّينِ"، غَادَرَ الفَتَى البَغْدَادِيُّ "سِندِبَادُ" مَدِينَتَهُ العَرِيقَةَ، وَقَلْبُهُ مُفْعَمٌ بِالأَحْلَامِ الكَبِيرَةِ وَالأَمَانِيِّ العَرِيضَةِ، رَاغِبًا فِي اكْتِشَافِ مَا يَحْجِبُهُ الأُفُقُ بَعِيدًا عَنْ أَسْوَارِ بَغْدَادَ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ بَحْرٍ وَاسِعٍ لَمْ تَرَهُ عَيْنَا "سِندِبَادَ" مِنْ قَبْلُ، بَدَأَتْ طُيُورُ النَّوْرَسِ تَحُومُ بِكَثَافَةٍ حَوْلَ رُؤُوسِهِمْ، مِمَّا أَثَارَ دَهْشَةَ الفَتَى؛ إِذْ كَيْفَ لِهَذِهِ الطُّيُورِ أَنْ تَتَوَاجَدَ فِي عُمْقِ البَحْرِ بَعِيدًا عَنِ البَرِّ؟. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، صَرَخَتِ العُصْفُورَةُ النَّاطِقَةُ "يَاسْمِينَةُ" مُعْلِنَةً عَنْ رُؤْيَةِ جَزِيرَةٍ تَلُوحُ فِي الأُفُقِ، وَرَغْمَ تَكْذِيبِ البَحَّارَةِ لَهَا فِي البِدَايَةِ، إِلَّا أَنَّ الحَقِيقَةَ تَجَلَّتْ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ بِظُهُورِ أَرْضٍ تَمْتَدُّ وَسَطَ المِيَاهِ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الجَزِيرَةُ عَادِيَةً، بَلْ كَانَتْ "جَزِيرَةً عَائِمَةً" تَظْهَرُ وَتَخْتَفِي تَبَعًا لِتَبَدُّلِ مَجْرَى المَاءِ، وَهُوَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ البَحْرِ العَمِيقَةِ الَّتِي حَكَى عَنْهَا العَمُّ "عَلَاءُ الدِّينِ".
قَرَّرَ القَائِدُ أَنْ يَرْسُوَ بِالسَّفِينَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَتَنَاوُلِ الغَدَاءِ، وَكَانَ "سِندِبَادُ" أَوَّلَ مَنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ تِلْكَ اليَابِسَةَ الغَرِيبَةَ، رَغْمَ تَحْذِيرَاتِ "يَاسْمِينَةَ" الَّتِي كَانَتْ تَشْعُرُ بِانْقِبَاضٍ وَرِيبَةٍ مِمَّا يَحْدُثُ. انْبَهَرَ "سِندِبَادُ" بِمَا رَآهُ؛ سَلَطْعُونَاتٌ ضَخْمَةٌ تَتَسَلَّقُ الأَشْجَارَ، وَأَصْدَافٌ بَحْرِيَّةٌ رَائِعَةٌ تَمْلأُ المَكَانَ، فَطَفِقَ يَجْمَعُهَا لِيُبْهِرَ بِهَا أَهْلَ بَغْدَادَ عِنْدَ عَوْدَتِهِ، كَمَا عَثَرَ عَلَى مَا يُشْبِهُ بِئْرَ مَاءٍ عَمِيقَةً فِي وَسَطِ الجَزِيرَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الرِّجَالُ يَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ النَّارِ لِطَهْيِ الطَّعَامِ وَيَسْتَمِعُونَ لِهَدِيرِ البَحْرِ، كَانَتِ الكَارِثَةُ تَقْتَرِبُ بِصَمْتٍ.
فَجْأَةً، صَرَخَتْ "يَاسْمِينَةُ" بِذُعْرٍ: "الجَزِيرَةُ تَنْهَضُ مِنْ نَوْمِهَا!"، وَبَدَأَتِ الأَرْضُ تَهْتَزُّ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ بِعُنْفٍ شَدِيدٍ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ المِسَاحَةُ الخَضْرَاءُ سِوَى ظَهْرِ حُوتٍ عَظِيمٍ كَانَ غَارِقًا فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ، وَقَدْ أَيْقَظَتْهُ حَرَارَةُ النَّارِ الَّتِي أَوْقَدَهَا البَحَّارَةُ. سَادَ الهَلَعُ، وَفَرَّ الرِّجَالُ نَحْوَ السَّفِينَةِ طَلَبًا لِلنَّجَاةِ، وَفِي وَسَطِ تِلْكَ الفَوْضَى، تَعَذَّرَ عَلَى السَّفِينَةِ العَوْدَةُ لِإِنْقَاذِ "سِندِبَادَ" بِسَبَبِ اضْطِرَابِ المِيَاهِ الهَائِلِ النَّاتِجِ عَنْ حَرَكَةِ الحُوتِ. وَجَدَ "سِندِبَادُ" نَفْسَهُ وَحِيدًا يُصَارِعُ المَوْجَ بَعْدَ أَنْ غَاصَ الحُوتُ فِي الأَعْمَاقِ، وَاعْتَذَرَ لِـ"يَاسْمِينَةَ" عَنْ عَدَمِ تَصْدِيقِهِ لِتَحْذِيرَاتِهَا السَّابِقَةِ. وَبَعْدَ صِرَاعٍ مَرِيرٍ مَعَ المِيَاهِ وَلَحَظَاتٍ عَصِيبَةٍ، تَمَكَّنَ البَطَلُ الصَّغِيرُ مِنَ الوُصُولِ إِلَى جَزِيرَةٍ مَهْجُورَةٍ، لِيَجِدَ نَفْسَهُ وَحِيدًا بَعِيدًا عَنْ عَمِّهِ، لَا يُؤْنِسُ وَحْدَتَهُ إِلَّا رَفِيقَتُهُ "يَاسْمِينَةُ"، بَيْنَمَا يَنْتَظِرُهُ مَصِيرٌ مَجْهُولٌ مَعَ طَيْرٍ عِمْلَاقٍ يُدْعَى "العَنْقَاءَ".
