مغامرات سندباد 09 وَعِفْرِيتِ الصَّحْرَاءِ وَسِرِّ الغَزَالَةِ
وَدَّعَ **سِنْدِبَادُ** رَفِيقَيْهِ **سَلْمَى** وَ**حَسَن** قَبْلَ أَنْ يَنْطَلِقَ فِي رِحْلَتِهِ، حَيْثُ حَذَّرَتْهُ سَلْمَى مِنْ أَهَمِّيَّةِ المَاءِ فِي الفَلَاةِ، بَيْنَمَا نَصَحَهُ حَسَنٌ بِالعَوْدَةِ إِذَا مَا وَاجَهَتْهُ مَصَاعِبُ جَمَّةٌ.
انْطَلَقَ سِنْدِبَادُ مَعَ طَائِرَتِهِ **يَاسْمِينَةَ** الَّتِي كَانَتْ تَكْرَهُ السَّفَرَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَفِي أَثْنَاءِ السَّيْرِ، غَابَ سِنْدِبَادُ عَنْ أَنْظَارِ القَافِلَةِ وَوَجَدَ نَفْسَهُ وَحِيدًا تَائِهًا بَيْنَ الرِّمَالِ.
نَفِدَ مَا مَعَهُ مِنَ المَاءِ، وَكَادَ يَهْلِكُ عَطَشًا، إِلَى أَنْ لَاحَتْ لَهُ وَاحَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِيهَا مَاءٌ وَنَخِيلٌ، فَشَرِبَ حَتَّى ارْتَوَى وَأَخَذَ يَأْكُلُ بَعْضَ البَلَحِ لِيَسُدَّ جُوعَهُ.
وَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، ثَارَتْ رِيحٌ قَوِيَّةٌ وَظَهَرَ أَمَامَهُ **عِفْرِيتُ الصَّحْرَاءِ** غَاضِبًا، صَارِخًا بِأَنَّ سِنْدِبَادَ قَدْ قَتَلَ وَلَدَهُ.
أَنْكَرَ سِنْدِبَادُ ذَلِكَ، لَكِنَّ العِفْرِيتَ أَوْضَحَ لَهُ أَنَّهُ حِينَ رَمَى بِبِذْرَةِ العُنَّابِ (النَّوَاةِ)، أَصَابَتْ عَيْنَ ابْنِهِ الَّتِي هِيَ نُقْطَةُ ضَعْفِهِ، فَأَرْدَتْهُ قَتِيلًا.
اسْتَعَدَّ العِفْرِيتُ لِقَتْلِ سِنْدِبَادَ، فَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ أَنْ يَمْنَحَهُ مُهْلَةً لِيَعُودَ إِلَى بَغْدَادَ وَيُوَدِّعَ أَهْلَهُ وَخَدَمَهُ وَيُعِيدَ الجِمَالَ لِأَصْحَابِهَا، وَعَاهَدَهُ عَهْدَ شَرَفٍ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ.
قَبِلَ العِفْرِيتُ الوَعْدَ، وَمَضَتِ الأَيَّامُ حَتَّى جَاءَ صَبَاحُ اليَوْمِ السَّابِعِ وَسِنْدِبَادُ جَالِسٌ عِنْدَ الوَاحَةِ يَنْتَظِرُ مَصِيرَهُ خَائِفًا.
فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، وَصَلَ **شَيْخٌ عُجُوزٌ** يَقُودُ **غَزَالَةً**، وَبَعْدَ أَنْ عَرَفَ قِصَّةَ سِنْدِبَادَ، قَرَّرَ البَقَاءَ مَعَهُ لِيَرَى مَا سَيَحْدُثُ.
حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، حَضَرَ العِفْرِيتُ وَهُوَ يَحْمِلُ سَيْفَهُ لِيَقْطَعَ رَأْسَ سِنْدِبَادَ، فَتَدَخَّلَ الشَّيْخُ العُجُوزُ طَالِبًا مِنَ العِفْرِيتِ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى قِصَّتِهِ مَعَ غَزَالَتِهِ، مُقَابِلَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ ثُلُثِ عِقَابِ سِنْدِبَادَ إِنْ أَعْجَبَتْهُ الحِكَايَةُ، فَوَافَقَ العِفْرِيتُ.
بَدَأَ الشَّيْخُ يَرْوِي أَنَّهُ قَبْلَ ثَلَاثِينَ سَنَةً كَانَ رَجُلًا ثَرِيًّا يَعِيشُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ عَادَ مِنْ سَفَرِهِ لِيَجِدَ أَنَّ زَوْجَتَهُ وَابْنَهُ قَدِ اخْتَفَيَا.
أَخْبَرَتْهُ **أُخْتُ زَوْجَتِهِ** المُرْتَبِكَةُ أَنَّهُمَا ضَاعَا فِي البَرِّيَّةِ وَمَاتَا، وَبَعْدَ نِصْفِ سَنَةٍ، تَزَوَّجَ الشَّيْخُ مِنْ أُخْتِ زَوْجَتِهِ هَذِهِ الَّتِي اعْتَنَتْ بِهِ،.
وَفِي لَيْلَةِ العُرْسِ، أَرَادَ ذَبْحَ **بَقَرَةٍ** سمينَةٍ لِلِاحْتِفَالِ، لَكِنَّهُ دُهِشَ حِينَ رَأَى البَقَرَةَ تَبْكِي وَتَذْرِفُ الدُّمُوعَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ ذَبْحَهَا وَأَمَرَ خَادِمَهُ بِفِعْلِ ذَلِكَ.
لَاحِقًا، عَرَفَ مِنِ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ أَنَّ تِلْكَ البَقَرَةَ لَمْ تَكُنْ سِوَى زَوْجَتِهِ، وَأَنَّ أُخْتَهَا قَدْ سَحَرَتْهَا هِيَ وَابْنَهَا بِسَبَبِ الحَسَدِ وَالغَيْرَةِ، لِتَأْخُذَ مَكَانَهَا.
أَدْرَكَ الشَّيْخُ الحَقِيقَةَ المُرَّةَ، وَعَلِمَ أَنَّ ابْنَهُ لَا يَزَالُ حَيًّا، فَقَامَ بِتَحْوِيلِ أُخْتِ زَوْجَتِهِ المَاكِرَةِ إِلَى **غَزَالَةٍ** جَزَاءً لِمَا فَعَلَتْهُ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، صَارَ يَجُوبُ الفَيَافِي مَعَ تِلْكَ الغَزَالَةِ، مُصَلِّيًا عَلَى رُوحِ زَوْجَتِهِ المَغْدُورَةِ.
حِينَ انْتَهَى الشَّيْخُ مِنْ قِصَّتِهِ، أُعْجِبَ العِفْرِيتُ بِهَا وَقَرَّرَ السَّمَاحَ عَنْ ثُلُثِ غَلْطَةِ سِنْدِبَادَ كَمَا وَعَدَ، رَغْمَ أَنَّهُ أَعْلَنَ أَنَّهُ سَيَعُودُ فِي اليَوْمِ التَّالِي لِيَأْخُذَ بَقِيَّةَ الدَّمِ.
