مغامرات سندباد 03 بَيْنَ جَنَاحَيِ العَنْقَاءِ وَكُنُوزِ الوَادِي المَهْجُورِ
بَعْدَ رِحْلَتِهِ البَحْرِيَّةِ الأُولَى الَّتِي انْتَهَتْ بِهِ إِلَى جَزِيرَةٍ نَائِيَةٍ لَا أَنِيسَ فِيهَا وَلَا جَلِيسَ، وَجَدَ الفَتَى البَغْدَادِيُّ الشُّجَاعُ "سِنْدِبَادُ" نَفْسَهُ وَحِيداً يَتَمَلَّكُهُ الخَوْفُ وَالتَّرَقُّبُ. جَلَسَ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ عُصْفُورَتِهِ الوَفِيَّةِ "يَاسْمِينَةَ" الَّتِي انْطَلَقَتْ تَسْتَكْشِفُ خَبَايَا المَكَانِ، وَلَمَّا عَادَتْ، أَخْبَرَتْهُ بِحُزْنٍ أَنَّهَا لَمْ تَجِدْ أَثَراً لِبَشَرٍ، وَأَنَّ الجَزِيرَةَ مَهْجُورَةٌ تَمَاماً. شَعَرَ سِنْدِبَادُ بِجُوعٍ قَارِصٍ، وَرَغْمَ تَوَافُرِ الجَوْزِ وَالفَاكِهَةِ، إِلَّا أَنَّ نَفْسَهُ تَاقَتْ لِطَعَامٍ آخَرَ، بَيْنَمَا كَانَ يُدْرِكُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ أَنَّ البَقَاءَ فِي هَذِهِ الجَزِيرَةِ يَعْنِي المَوْتَ جُوعاً، إِذْ لَا وُجُودَ لِلْحَيَوَانَاتِ فِيهَا.
وَفِي أَثْنَاءِ جَوْلَتِهِ، أَبْصَرَ سِنْدِبَادُ بِنَاءً عَظِيماً غَرِيباً، ظَنَّهُ لِلْوَهْلَةِ الأُولَى بَيْتاً كَبِيراً أَبْيَضَ اللَّوْنِ، فَأَخَذَ يَبْحَثُ عَنْ بَابِهِ لِيَدْخُلَهُ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى. وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي حَيْرَتِهِ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا البِنَاءَ لَيْسَ إِلَّا بَيْضَةً ضَخْمَةً لِطَائِرِ "العَنْقَاءِ" الأُسْطُورِيِّ. وَفَجْأَةً، أَظْلَمَتِ السَّمَاءُ وَهَبَطَ الطَّائِرُ العِمْلَاقُ لِيَرْقُدَ عَلَى بَيْضَتِهِ، فَخَطَرَتْ لِسِنْدِبَادَ فِكْرَةٌ جَرِيئَةٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الجَزِيرَةِ؛ فَقَرَّرَ أَنْ يَرْبِطَ نَفْسَهُ بِإِحْدَى قَدَمَيِ العَنْقَاءِ الضَّخْمَتَيْنِ بِاسْتِخْدَامِ قُمَاشِ عِمَامَتِهِ، رَغْمَ شُعُورِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ نَمْلَةٍ أَوْ ذُبَابَةٍ أَمَامَ هَذَا المَخْلُوقِ الهَائِلِ.
حَلَّقَتِ العَنْقَاءُ عَالِياً فِي آفَاقِ السَّمَاءِ وَسِنْدِبَادُ مُتَشَبِّثٌ بِهَا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالخَوْفِ، إِلَى أَنْ هَبَطَتْ فِي وَادٍ سَحِيقٍ، فَسَارَعَ بِفَكِّ قُيُودِهِ لِيَهْرُبَ قَبْلَ أَنْ تَطِيرَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى. لَكِنَّ المَفَاجَأَةَ كَانَتْ قَاسِيَةً، فَقَدْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي قَاعِ وَادٍ تُحِيطُ بِهِ الصُّخُورُ الشَّاهِقَةُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، مِمَّا جَعَلَهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مُصِيبَةٍ لِيَقَعَ فِي أُخْرَى. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الوَادِيَ لَمْ يَكُنْ كَغَيْرِهِ، فَقَدْ كَانَتْ أَرْضُهُ تَمْتَلِئُ بِأَحْجَارِ المَاسِ الثَّمِينَةِ الَّتِي تَبْرُقُ بَيْنَ الصُّخُورِ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَأَمَّلُ هَذِهِ الكُنُوزَ، تَعَالَى صَوْتُ فَحِيحٍ مُرْعِبٍ لِحَيَّاتٍ ضَخْمَةٍ تَسْكُنُ هَذَا المَكَانَ، فَأَيْقَنَ أَنَّ المَاسَ لَنْ يَنْفَعَهُ إِذَا ابْتَلَعَتْهُ إِحْدَى تِلْكَ الأَفَاعِي.
وَفِي لَحْظَةِ يَأْسٍ، سَقَطَتْ قِطْعَةُ لَحْمٍ كَبِيرَةٌ مِنْ أَعْلَى الصُّخُورِ، ثُمَّ أُخْرَى، فَعَلِمَ سِنْدِبَادُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَرْمِي بِاللَّحْمِ لِغَرَضٍ مَا. وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ التُّجَّارَ يَرْمُونَ اللَّحْمَ لِيَلْتَصِقَ بِهِ المَاسُ، ثُمَّ تَنْقَضُّ النُّسُورُ لِتَحْمِلَ اللَّحْمَ إِلَى أَعْلَى الوَادِي، فَيَقُومُ التُّجَّارُ بِإِخَافَتِهَا لِتَتْرُكَ اللَّحْمَ وَيَحْصُلُوا هُمْ عَلَى المَاسِ. لَمْ يَتَرَدَّدْ سِنْدِبَادُ، بَلْ تَمَسَّكَ بِقِطْعَةِ لَحْمٍ كَبِيرَةٍ، فَحَمَلَهُ أَحَدُ النُّسُورِ وَطَارَ بِهِ خَارِجَ الوَادِي السَّحِيقِ.
عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الأَعْلَى، انْدَهَشَ التُّجَّارُ مِنْ وُجُودِ فَتًى بَدَلَ المَاسِ، فَأَخْبَرَهُمْ سِنْدِبَادُ بِقِصَّتِهِ وَأَهْدَاهُمْ بَعْضاً مِنَ المَاسِ الَّذِي جَمَعَهُ تَعْبِيراً عَنْ شُكْرِهِ لَهُمْ، مِمَّا جَعَلَهُمْ يُثْنُونَ عَلَى شَجَاعَتِهِ وَيَصِفُونَهُ بِالفَتَى المَحْظُوظِ،. وَدَّعَهُمُ السِّنْدِبَادُ بَعْدَ أَنْ تَمَنَّوْا لَهُ عَوْدَةً سَالِمَةً إِلَى بَغْدَادَ، وَالْتَقَى بِعُصْفُورَتِهِ يَاسْمِينَةَ الَّتِي كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْهُ بِقَلَقٍ. وَهَكَذَا انْتَهَتْ هَذِهِ المُغَامَرَةُ بِنَجَاةِ بَطَلِنَا، لَكِنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، فَقَدْ كَانَ فِي انْتِظَارِهِ لِقَاءٌ غَرِيبٌ مَعَ عَجُوزٍ غَامِضٍ فِي مَغَامَرَتِهِ القَادِمَةِ.
