مغامرات سندباد 04 وَغَدْرُ شَيْخِ الجَبَلِ

مغامرات سندباد 04 وَغَدْرُ شَيْخِ الجَبَلِ


كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ البَحْرِ بِقُوَّةٍ وَثَبَاتٍ، مَارَّةً بِكُلِّ بِقَاعِ العَالَمِ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا إِلَى بَغْدَادَ المَجِيدَةِ، وَفِي مَخْدَعِهِ، كَانَ بَطَلُنَا الصَّغِيرُ سِنْدِبَادُ غَارِقًا فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ، تَرْتَسِمُ عَلَى ثَغْرِهِ بَسْمَةُ السَّعَادَةِ لِقُرْبِ لِقَائِهِ بِوَالِدَيْهِ بَعْدَ طُولِ غِيَابٍ وَتَرْحَالٍ.

وَلَكِنَّ الرِّيَاحَ لَا تَجْرِي دَائِمًا بِمَا تَشْتَهِي السُّفُنُ، إِذْ اضْطُرَّ الطَّاقَمُ لِتَغْيِيرِ وُجْهَتِهِمْ فَجْأَةً نَحْوَ بَرٍّ قَرِيبٍ، لِلْحُصُولِ عَلَى مَؤُونَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ مِيَاهِ الشُّرْبِ قَبْلَ إِتْمَامِ الرِّحْلَةِ.

وَمَا إِنْ وَطِئَتْ أَقْدَامُهُمُ اليَابِسَةَ حَتَّى أَبْصَرَ سِنْدِبَادُ بِنَاءً غَرِيبَ الشَّكْلِ يُشْبِهُ المَنْزِلَ، فَظَنَّ فِي بَادِئِ الأَمْرِ أَنَّهُ سَيَجِدُ فِيهِ كَنْزًا أَوْ مَالًا، لَكِنَّ الحَقِيقَةَ كَانَتْ مُمِيتَةً؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ "الحَائِطَ الخَمِيسَ" مَا هُوَ إِلَّا بَيْضَةُ طَائِرِ العَنْقَاءِ العِمْلَاقِ.

وَبِمُجَرَّدِ أَنْ بَدَأَ السَّائِلُ المَوْحِلُ يَسِيلُ مِنْهَا، أَدْرَكُوا الخَطَرَ الدَّاهِمَ، فَصَرَخَ سِنْدِبَادُ رَفِيقَهُ لِيَهْرُبُوا بِسُرْعَةٍ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ العَنْقَاءِ لِتَنْتَقِمَ لِفَقْدِ بَيْضَتِهَا.

فِي خِضَمِّ تِلْكَ الفَوْضَى، وَجَدَ سِنْدِبَادُ نَفْسَهُ وَحِيدًا عَلَى أَرْضٍ غَرِيبَةٍ، يُصَارِعُ الجُوعَ وَالتَّعَبَ، وَبَيْنَمَا هُوَ يَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ لِيَصِلَ إِلَى قَرْيَةٍ مَا، الْتَقَى بِشَيْخٍ يَبْدُو عَلَيْهِ الهَرَمُ وَالضَّعْفُ.

اسْتَعْطَفَ الشَّيْخُ سِنْدِبَادَ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ، مُدَّعِيًا أَنَّ قَدَمَيْهِ لَا تَقْوَيَانِ عَلَى حَمْلِهِ، وَرَجَاهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ لِيَعْبُرَ بِهِ إِلَى الضَّفَّةِ الأُخْرَى مِنَ النَّهْرِ.

لَمْ يَتَرَدَّدْ سِنْدِبَادُ الشَّابُّ فِي تَقْدِيمِ المَعُونَةِ، فَحَمَلَهُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا اكْتَشَفَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي شَرَكِ غَادِرٍ.

فَمَا إِنِ اسْتَوَى العَجُوزُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَتَّى أَطْبَقَ عَلَيْهِ بِقُوَّةٍ، رَافِضًا النُّزُولَ بَعْدَ عُبُورِ النَّهْرِ، بَلْ أَمَرَهُ بِغِلْظَةٍ أَنْ يَحْمِلَهُ نَحْوَ التَّلَّةِ المُرْتَفِعَةِ .

تَحَوَّلَ العَجُوزُ إِلَى طَاغِيَةٍ حَقِيقِيٍّ، يَسْخَرُ مِنْ سِنْدِبَادَ وَيَنْعَتُهُ بِالحُمْقِ وَالضَّعْفِ، مُخْبِرًا إِيَّاهُ أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الرِّجَالِ قَدْ لَاقَوْا حَتْفَهُمْ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ.

وَبَيْنَمَا كَانَ سِنْدِبَادُ يَتَضَوَّرُ جُوعًا، كَانَ العَجُوزُ يُجْبِرُهُ عَلَى البَحْثِ عَنِ الطَّعَامِ لِيُشْبِعَ نَهَمَهُ، مُهَدِّدًا إِيَّاهُ بِالمَوْتِ إِذَا تَكَاسَلَ.

وَفِي لَحْظَةِ ذَكَاءٍ، عَثَرَ سِنْدِبَادُ عَلَى شَرَابٍ مُنْعِشٍ وَصَفَهُ العَجُوزُ بِأَنَّهُ "مَاءُ الحَيَاةِ" الَّذِي يَمْنَحُ الصِّحَّةَ وَالقُوَّةَ.

هُنَا، خَطَرَتْ لِسِنْدِبَادَ فِكْرَةٌ لِلنَّجَاةِ؛ فَدَسَّ فِي ذَلِكَ الشَّرَابِ عُشْبَةً مُنَوِّمَةً، وَبَدَأَ يَرْكُضُ وَيَتَمَايَلُ بِالعَجُوزِ لِيُسْرِعَ تَمَكُّنَ النُّعَاسِ مِنْ رَأْسِهِ.

لَمْ تَمْضِ دَقَائِقُ حَتَّى بَدَأَ الشَّرَابُ المَمْزُوجُ بِالنُّعَاسِ يَفْعَلُ فِعْلَهُ فِي جَسَدِ العَجُوزِ الأَنَانِيِّ، وَبَدَأَتْ قَبْضَتُهُ تَرْتَخِي شَيْئًا فَشَيْئًا.

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَوَعُّدِ العَجُوزِ لَهُ بِالإِمْسَاكِ بِهِ، إِلَّا أَنَّ سِنْدِبَادَ اسْتَطَاعَ فِي النِّهَايَةِ أَنْ يَنْفُضَهُ عَنْ كَتِفَيْهِ وَيَفِرَّ هَارِبًا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ الشِّرِّيرِ الَّذِي يَسْكُنُ الجَبَلَ وَلَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ.

وَهَكَذَا، نَجَا سِنْدِبَادُ بِيَقَظَتِهِ وَحِيلَتِهِ، لَكِنَّ رِحْلَتَهُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، إِذْ تَنْتَظِرُهُ مَخَاطِرُ جَدِيدَةٌ وَأَسْرَارٌ غَامِضَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُسَمَّى "نَهْرُ الجَوَاهِرِ" الَّذِي يَخْشَاهُ الجَمِيعُ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم