مغامرات سندباد 05 وَنَهْرِ الجَوَاهِرِ
كَانَ **سِنْدِبَادُ** وَرِفَاقُهُ يَمْخُرُونَ عُبَابَ البَحْرِ، وَكَانَتْ ياسمِينَةُ تُضْفِي جَوًّا مِنَ المَرَحِ عَلَى الرِّحْلَةِ بِمَدِيحِهَا وَعُرُوضِهَا، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَفْصِلُهُمْ عَنْ **بَغْدَادَ** سِوَى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَتَبَادَلُونَ المِزَاحَ، **هَبَّتْ رِيَاحٌ عَاتِيَةٌ وَخَطِيرَةٌ أَفْقَدَتِ القُبْطَانَ السَّيْطَرَةَ عَلَى دَفَّةِ السَّفِينَةِ**.
وَجَدَتِ السَّفِينَةُ نَفْسَهَا عَالِقَةً فِي **تَيَّارٍ بَحْرِيٍّ غَادِرٍ لَا نَجَاةَ مِنْهُ**، وَأَيْقَنَ البَحَّارَةُ أَنَّ هَذَا التَّيَّارَ يَسُوقُهُمْ إِلَى "آخِرِ العَالَمِ" حَيْثُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجِدَهُمْ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ العَصِيبَةِ، ظَهَرَ جَشَعُ بَعْضِ البَحَّارَةِ مِثْلِ عَبَّاسٍ الَّذِي انْشَغَلَ بِجَمْعِ الجَوَاهِرِ وَالادِّعَاءِ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ، رَغْمَ أَنَّ المَوْتَ كَانَ يُحْدِقُ بِهِمْ جَمِيعًا.
وَفَجْأَةً، تَرَاءَتْ لَهُمْ جَزِيرَةٌ فِي الأُفُقِ، لَكِنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَصْمُدْ طَوِيلًا، فَتَحَطَّمَتْ عَلَى صُخُورِهَا.
بَعْدَ أَنْ نَجَا سِنْدِبَادُ وَعَبَّاسٌ وَالقُبْطَانُ وَبَعْضُ الرِّفَاقِ، بَدَأُوا بِالتَّفْكِيرِ فِي طَرِيقَةٍ لِمُغَادَرَةِ هَذِهِ الجَزِيرَةِ المَهْجُورَةِ.
كَانَتِ الأَمْوَاجُ غَاضِبَةً وَقَوِيَّةً جِدًّا، مِمَّا جَعَلَ العُبُورَ بِطَوْفٍ خَشَبِيٍّ أَمْرًا مُسْتَحِيلًا.
حَاوَلُوا تَسَلُّقَ الصُّخُورِ الشَّاهِقَةِ، إِلَّا أَنَّ الدُّوَارَ أَصَابَ بَعْضَهُمْ، وَكَانَ المَكَانُ رَهِيبًا يَفْتَقِرُ لِأَبْسَطِ سُبُلِ العَيْشِ.
وَفِي أَثْنَاءِ بَحْثِهِمْ، سَمِعُوا صَوْتَ خَرِيرِ مَاءٍ، فَإِذَا بِهِمْ يَكْتَشِفُونَ **نَهْرًا تَمْلَؤُهُ الجَوَاهِرُ الثَّمِينَةُ** الَّتِي تَبْرُقُ تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ.
جُنَّ جُنُونُ عَبَّاسٍ وَبَدَأَ يَغْرِفُ مِنَ الجَوَاهِرِ طَمَعًا، مُعْتَبِرًا نَفْسَهُ أَغْنَى رَجُلٍ فِي العَالَمِ.
لَكِنَّ سِنْدِبَادَ كَانَ يُفَكِّرُ فِي النَّجَاةِ، وَاقْتَرَحَ أَنْ يَنْزِلُوا مَعَ النَّهْرِ لَعَلَّهُ يَقُودُهُمْ لِلْخَارِجِ، لَكِنَّ الصَّدْمَةَ كَانَتْ أَنَّ النَّهْرَ يَدْخُلُ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ عَبْرَ مُغَارَةٍ مُظْلِمَةٍ.
سَادَ اليَأْسُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، وَاعْتَبَرُوا أَنَّ دُخُولَ المُغَارَةِ يَعْنِي المَوْتَ المَحْتُومَ، فَفَضَّلَ بَعْضُهُمُ الاسْتِسْلَامَ لِمَصِيرِهِمْ وَالبَقَاءَ لِلْمَوْتِ بَيْنَ الجَوَاهِرِ وَتَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ.
لَكِنَّ **سِنْدِبَادَ رَفَضَ الِاسْتِسْلَامَ**، وَقَرَّرَ أَنْ يَرْكَبَ المَاءَ نَازِلًا مَعَ النَّهْرِ إِلَى المَجْهُولِ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ سَيَقُودُهُ إِلَى نِهَايَةٍ مَخُوفَةٍ.
وَدَّعَهُ رِفَاقُهُ، وَأَهْدَاهُ عَبَّاسٌ جَوْهَرَةً نَفِيسَةً كَذِكْرَى، ثُمَّ انْطَلَقَ سِنْدِبَادُ فِي رِحْلَتِهِ الخَطِيرَةِ، وَلَمْ تَتْرُكْهُ **ياسمِينَةُ**، بَلْ قَرَّرَتِ الذَّهَابَ مَعَهُ لِمُواجَهَةِ المَصِيرِ نَفْسِهِ.
بَعْدَ رِحْلَةٍ شَاقَّةٍ وَمُرْعِبَةٍ عَبْرَ أَنْفَاقِ الأَرْضِ، وَصَلَ سِنْدِبَادُ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ؛ حَيْثُ جَرَفَهُ النَّهْرُ إِلَى **مَدِينَةٍ مَزْدَهِرَةٍ وَرَائِعَةِ الجَمَالِ**.
اسْتَقْبَلَ مَلِكُ تِلْكَ الجَزِيرَةِ سِنْدِبَادَ بِحَفَاوَةٍ كَبِيرَةٍ، وَأُعْجِبَ أَيَّمَا إِعْجَابٍ بِشَجَاعَتِهِ وَمُغَامَرَاتِهِ، خَاصَّةً قِصَّةَ نُزُولِهِ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ المَخُوفِ.
أَيَّنَ المَلِكُ شَجَاعَةَ سِنْدِبَادَ وَتَنَبَّأَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ تَاجِرًا عَظِيمًا فِي المُسْتَقْبَلِ.
وَتَقْدِيرًا لَهُ، غَمَرَهُ المَلِكُ بِكُنُوزٍ كَثِيرَةٍ وَأَعْطَاهُ هَدَايَا لِيُسَلِّمَهَا إِلَى **وَالِي بَغْدَادَ** عِنْدَ عَوْدَتِهِ.
وَأَمَرَ المَلِكُ بِتَجْهِيزِ سَفِينَةٍ خَاصَّةٍ لِتُعِيدَ سِنْدِبَادَ إِلَى وَطَنِهِ بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ مِنَ الصِّعَابِ.
وَهَكَذَا نَجَا سِنْدِبَادُ بِفَضْلِ إِصْرَارِهِ وَتَوَكُّلِهِ عَلَى اللهِ، لِيَبْدَأَ فَصْلًا جَدِيدًا مِنْ مُغَامَرَاتِهِ الَّتِي سَتَقُودُهُ لَاحِقًا لِمُواجَهَةِ القَرَاصِنَةِ وَالفِيَلَةِ وَاكْتِشَافِ سِرِّ جَبَلِ العَاجِ.
