مغامرات سندباد 07 ووليمة العقبان الغامضة

مغامرات سندباد 07 وَوَلِيمَةِ العِقْبَانِ الغَامِضَةِ


بَعْدَ رِحْلَاتٍ طَوِيلَةٍ وَمَغَامَرَاتٍ شَائِقَةٍ فِي عُرْضِ البِحَارِ، عَادَ سِنْدِبَادُ المُغْتَرِبُ، ذَاكَ البَطَلُ القَادِمُ مِنْ قَلْبِ بَغْدَادَ، إِلَى مَدِينَتِهِ بَعْدَ أَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِجَمْعِ كُنُوزٍ وَفِيرَةٍ أَعَانَتْهُ عَلَى اسْتِرْدَادِ بَيْتِ وَالِدَيْهِ.

وَعِنْدَمَا اسْتَقَرَّ بِهِ المَقَامُ وَهَدَأَ بَالُهُ، لَمْ يَرْضَ بِالقُعُودِ، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يَسِيرَ عَلَى خُطَى أَبِيهِ لِيُصْبِحَ تَاجِراً عَظِيماً، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الطُّمُوحَ يَتَطَلَّبُ السَّفَرَ إِلَى البُلْدَانِ البَعِيدَةِ لِجَلْبِ النَّفَائِسِ وَالبَضَائِعِ.

وَفِي بَغْدَادَ، أَقَامَ سِنْدِبَادُ مَأْدُبَةً فِي بَيْتٍ ضَخْمٍ يَحْوِي قَاعَةً كَبِيرَةً تَرْتَكِزُ عَلَى ثَمَانِينَ عَمُوداً، وَتَزْدَانُ حَوَائِطُهُ بِالذَّهَبِ وَالرُّخَامِ، حَيْثُ اسْتَقْبَلَ التُّجَّارَ وَأَطْعَمَهُمْ مِنْ لَذِيذِ الطَّعَامِ المُطَيَّبِ بِأَفْخَرِ أَنْوَاعِ البَهَارَاتِ، كَالزَّعْفَرَانِ وَالبَهَارِ اليَابَانِيِّ الَّذِي يُجَدِّدُ الشَّبَابَ بِرَائِحَتِهِ الزَّكِيَّةِ.

وَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ، رَكِبَ البَحْرَ مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ التُّجَّارِ، وَمِنْهُمُ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ، وَكَانُوا يَتَبَادَلُونَ أَطْرَافَ الحَدِيثِ حَوْلَ جَوْدَةِ البَهَارَاتِ وَأَهَمِّيَّةِ تَذَوُّقِ الطَّعَامِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ تَاجِراً بَارِعاً.

وَلَكِنَّ الرِّيَاحَ لَمْ تَأْتِ بِمَا تَشْتَهِي السُّفُنُ، إِذْ دَهَمَتْهُمْ عَاصِفَةٌ هَوْجَاءُ حَطَّمَتْ سَفِينَتَهُمْ، فَوَجَدَ سِنْدِبَادُ نَفْسَهُ مَعَ رِفَاقِهِ وَطَائِرَتِهِ يَاسَمِينَةَ يَتَشَبَّثُونَ بِأَلْوَاحٍ خَشَبِيَّةٍ، ثُمَّ صَنَعُوا طَوْفاً لِيَنْجُوا بِحَيَاتِهِمْ.

بَعْدَ صِرَاعٍ مَعَ الأَمْوَاجِ وَالجُوعِ الشَّدِيدِ الَّذِي جَعَلَ بَعْضَهُمْ يَتَمَنَّى رُؤْيَةَ خَرُوفٍ مُطَيَّبٍ بِالزَّعْفَرَانِ أَوْ إِوَزَّةٍ مَشْوِيَّةٍ، وَصَلُوا إِلَى جَزِيرَةٍ غَامِضَةٍ، وَانْطَلَقُوا يَبْحَثُونَ فِيهَا عَنِ المَاءِ وَالأَكْلِ لِيَسُدُّوا رَمَقَهُمْ.


دَخَلَ الجَمِيعُ غَابَةً كَثِيفَةً، فَاسْتَقْبَلَهُمْ سُكَّانُهَا بِتَرْحَابٍ غَرِيبٍ، وَقَدَّمُوا لَهُمْ أَطْبَاقاً لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى مِنَ اللَّحْمِ وَالدَّجَاجِ المُحَمَّرِ وَالأَطْعِمَةِ الدَّسِمَةِ المُشَبَّعَةِ بِالبَهَارَاتِ.

انْدَفَعَ التُّجَّارُ يَأْكُلُونَ بِجَشَعٍ وَنَهَمٍ، وَكَانُوا يُقْفَلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَارِجِ بَعْدَ كُلِّ وَلِيمَةٍ، مِمَّا أَثَارَ رِيبَةَ سِنْدِبَادَ.

وَرَغْمَ لَذَاذَةِ الطَّعَامِ، كَانَ سِنْدِبَادُ يَتَذَكَّرُ دَوْماً وَصِيَّةَ وَالِدِهِ: "أَلَّا يَأْكُلَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ حَتَّى لَا يُصِيبَهُ الخُمُولُ"، فَكَانَ يَقْتَصِدُ فِي أَكْلِهِ، بَيْنَمَا أَصْبَحَ رِفَاقُهُ سِمَاناً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الحَرَكَةِ.


وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، بَدَأَ السُّكَّانُ احْتِفَالاً ضَخْماً، وَسَاقُوا التُّجَّارَ السَّمِينِينَ إِلَى جَبَلٍ بَعِيدٍ، فَتَبِعَهُمْ سِنْدِبَادُ لِيَسْتَكْشِفَ الأَمْرَ.

وَهُنَاكَ كَانَتِ الفَاجِعَةُ؛ إِذْ رَأَى العُقْبَانَ الجَارِحَةَ تَتَجَمَّعُ، وَاكْتَشَفَ أَنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ كَانُوا يُسَمِّنُونَ السُّجَنَاءَ لِيُقَدِّمُوهُمْ طَعَاماً لِتِلْكَ الطُّيُورِ الكَاسِرَةِ.

رَأَى سِنْدِبَادُ مَلَابِسَ التَّاجِرِ حَسَّانٍ مُلْقَاةً، وَأَدْرَكَ أَنَّ رِفَاقَهُ الثَّلَاثَةَ قَدْ صَارُوا غَدَاءً لِلْعُقْبَانِ لِأَنَّ أَجْسَادَهُمْ صَارَتْ مَلِيئَةً بِاللَّحْمِ.


حَاوَلَ سِنْدِبَادُ أَنْ يَحُثَّ مَنْ تَبَقَّى عَلَى الهَرَبِ، لَكِنَّ جَشَعَهُمْ وَسِمْنَتَهُمْ مَنَعَتْهُمْ مِنَ التَّزَحْزُحِ أَوْ مُقَاوَمَةِ القُضْبَانِ.

وَجَدَ سِنْدِبَادُ نَفْسَهُ مَحْبُوساً، وَبَدَأَ القَوْمُ يُجْبِرُونَهُ عَلَى الأَكْلِ بِكَثْرَةٍ لِيَسْمَنَ هُوَ الآخَرُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ، وَبَدَأَ يَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ مِنْ ذَاكَ الشِّبَاكِ الضَّيِّقِ.

وَبَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي حِيلَةٍ لِلنَّجَاةِ، عَثَرَ عَلَى جَوْزَةِ بَهَارٍ (جَوْزَةِ الطِّيبِ) بَيْنَ ثِيَابِهِ، وَرَأَى أُنَاساً يَرْتَدُونَ ثِيَاباً تُشْبِهُ ثِيَابَهُمْ، مِمَّا جَعَلَهُ يُدْرِكُ أَنَّ تِجَارَةَ البَهَارَاتِ رَغْمَ رِبْحِهَا، إِلَّا أَنَّهَا طَرِيقٌ مَحْفُوفٌ بِالمَخَاطِرِ وَالوَحُوشِ، وَبَقِيَ التَّسَاؤُلُ قَائِماً: هَلْ سَيَنْجُو بَطَلُنَا الصَّغِيرُ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الرَّهِيبَةِ؟.

إرسال تعليق

أحدث أقدم