مَغَامَرَاتُ سِنْدِبَاد 08 رِحْلَةُ حُبِّ الْكُنُوزِ
بَدَأَتِ الْقِصَّةُ فِي مَدِينَةِ بَغْدَادَ الْعَرِيقَةِ، حَيْثُ كَانَ الْبَطَلُ الشُّجَاعُ سِنْدِبَادُ يَسْتَعِدُّ لِرِحْلَةٍ جَدِيدَةٍ، وَمَعَهُ عُصْفُورَتُهُ الْمُتَكَلِّمَةُ يَاسْمِينَةُ الَّتِي كَانَتْ تُضْفِي جَوًّا مِنَ الْمَرَحِ.
بَيْنَمَا كَانَ سِنْدِبَادُ يَتَفَقَّدُ بَضَائِعَهُ، الْتَقَى بِشَابَّيْنِ يَبْحَثَانِ بِيَأْسٍ عَنْ نَوْعٍ نَادِرٍ مِنَ الْبَهَارَاتِ، وَأَخْبَرَاهُ أَنَّ أُمَّهُمَا الْعَجُوزَ تَتَمَنَّى تَذَوُّقَهُ قَبْلَ مَوْتِهَا، لَكِنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ ثَمَنَهُ الْبَاهِظَ الَّذِي يُعَادِلُ قِيمَةَ الْجَوْهَرَةِ الْكَبِيرَةِ.
تَأَثَّرَ سِنْدِبَادُ بِحَالِهِمَا وَوَعَدَهُمَا أَنْ يَبْحَثَ عَنْ هَذَا الْبَهَارِ فِي رِحْلَتِهِ وَيُحْضِرَهُ لَهُمَا لِيُحَقِّقَ رَغْبَةَ أُمِّهِمَا.
انْطَلَقَ سِنْدِبَادُ فِي عَرْضِ الْبَحْرِ، وَبَعْدَ مُدَّةٍ، وَجَدَ نَفْسَهُ وَرِفَاقَهُ مُضْطَرِّينَ لِلنُّزُولِ إِلَى جَزِيرَةٍ غَامِضَةٍ تُسَمَّى "الْبَابُ الْغَابِرُ".
لِكَيْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّنَقُّلِ، قَامُوا بِصُنْعِ طَوْفٍ مِنَ الْأَخْشَابِ وَرَبَطُوهُ بِالْحِبَالِ بِتَعَاوُنٍ وَجِدٍّ.
وَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ فِي الْغَابَةِ لِجَمْعِ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ، أَبْصَرُوا بَيْتًا ضَخْمًا يَرْتَفِعُ فِي نِهَايَةِ الْغَابَةِ، فَظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُ رَجُلٌ غَنِيٌّ سَيُكْرِمُ ضِيَافَتَهُمْ.
لَكِنْ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِمْ، اكْتَشَفُوا أَنَّ الْبَيْتَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُنَهُ بَشَرٌ عَادِيٌّ لِعِظَمِ حَجْمِهِ، وَسُرْعَانَ مَا أُوصِدَ الْبَابُ الْحَدِيدِيُّ الضَّخْمُ خَلْفَهُمْ، لِيَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ وَجْهًا لِوَجْهٍ أَمَامَ وَحْشٍ كَاسِرٍ.
الْتَهَمَ الْوَحْشُ أَصْحَابَ سِنْدِبَادَ وَلَمْ يَبْقَ سِوَاهُ مَعَ رَفِيقِهِ، وَأَدْرَكُوا أَنَّ الْمَوْتَ مَصِيرُهُمْ مَا لَمْ يَجِدُوا مَخْرَجًا.
وَبِمَا أَنَّ الْبَابَ الْحَدِيدِيَّ كَانَ مَنِيعًا، صَمَّمَ سِنْدِبَادُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْوَحْشِ بِخُطَّةٍ ذَكِيَّةٍ وَسَرِيعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِسَهُمْ.
وَبِفَضْلِ شَجَاعَتِهِ وَتَوْفِيقِ اللَّهِ، نَجَحَ سِنْدِبَادُ فِي النَّجَاةِ وَالْقَضَاءِ عَلَى الْخَطَرِ، وَوَجَدَ هُنَاكَ الْبَهَارَ الثَّمِينَ الَّذِي كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ، وَالَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ "حُبُّ الْكُنُوزِ".
عَادَ سِنْدِبَادُ إِلَى الْعَجُوزِ وَأَبْنَائِهَا، وَقَدَّمَ لَهَا الْبَهَارَ ذَا الرَّائِحَةِ الزَّكِيَّةِ وَالطَّعْمِ الَّذِي لَا مَثِيلَ لَهُ. سُرَّتِ الْعَجُوزُ سُرُورًا عَظِيمًا، وَشَكَرَتْ سِنْدِبَادَ عَلَى نُبْلِهِ، وَأَهْدَتْهُ هَدِيَّةً تَقْدِيرًا لِمَعْرُوفِهِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ سِنْدِبَادُ يَسْتَعِدُّ لِلرَّحِيلِ نَحْوَ بَغْدَادَ لِيُكْمِلَ صَفَقَاتِهِ التِّجَارِيَّةَ، أَثْنَى الْجَمِيعُ عَلَى صَنِيعِهِ، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ مَا أَحْضَرَهُ سِنْدِبَادُ كَانَ أَثْمَنَ مِنْ كِيسِ الْبَهَارِ؛ لَقَدْ أَحْضَرَ "الْقَلْبَ الْحَنُونَ وَالْمَلِيءَ بِالشَّجَاعَةِ".
وَهَكَذَا، وَدَّعَ سِنْدِبَادُ رِفَاقَهُ لِيَبْدَأَ مُغَامَرَةً جَدِيدَةً عَبْرَ الصَّحْرَاءِ، حَيْثُ تَنْتَظِرُهُ أَلْغَازٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِعِفْرِيتٍ يُطَارِدُهُ وَبِغَزَالَةٍ غَامِضَةٍ تُرَافِقُ رَجُلًا عَجُوزًا.
