سندباد 05 أهوال القراصنة المعدنيين

سِنْدِبَادُ وَأَهْوَالُ القَرَاصِنَةِ المَعْدِنِيِّينَ

سِنْدِبَادُ وَأَهْوَالُ القَرَاصِنَةِ المَعْدِنِيِّينَ

انْفَرَدَتْ أَشْرِعَةُ سَفِينَةِ القُبْطَانِ (سِنْدِبَادَ) الجَسُورِ، وَرَاحَتْ تَتَمَايَلُ مَعَ نَسَمَاتِ البَحْرِ العَلِيلَةِ وَهِيَ تَتَأَهَّبُ لِمُغَادَرَةِ المَرْفَأِ، بَيْنَمَا كَانَ رَئِيسُ البَحَّارَةِ (صَفْوَانُ) يَحُثُّ الرِّجَالَ بِنَبْرَةٍ مِلْؤُهَا الحَمَاسُ قَائِلاً: «هَيَّا يَا أَبْطَالُ، لَقَدْ آنَ الأَوَانُ لِنَخُوضَ غِمَارَ مُغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ مُغَامَرَاتِ قَائِدِنَا المِقْدَامِ».

وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ المَاءِ، مِبْتَعِدَةً عَنِ اليَابِسَةِ، فِيمَا وَقَفَ (سِنْدِبَادُ) خَلْفَ المِقْوَدِ يَسْتَنْشِقُ هَوَاءَ البَحْرِ المَالِحَ بِنَشْوَةٍ، مُؤَكِّدًا لِصَدِيقِهِ (صَفْوَانَ) أَنَّ عِشْقَ الإِبْحَارِ يَجْرِي فِي عُرُوقِهِ مَجْرَى الدَّمِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُلَاقُونَهُ مِنْ أَهْوَالٍ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا إِصْرَارًا عَلَى كَشْفِ أَسْرَارِ هَذَا العَالَمِ الفَسِيحِ.

وَفِيمَا كَانَ الصَّدِيقَانِ يَتَبَادَلَانِ الأَحَادِيثَ الضَّاحِكَةَ، قَطَعَ صَمْتَ البَحْرِ نِدَاءٌ مُدَوٍّ مِنْ مُرَاقِبِ السَّارِي: «سَفِينَةٌ يَا قُبْطَانُ! سَفِينَةٌ تَلُوحُ فِي الأُفُقِ!».

تَرَكَ (سِنْدِبَادُ) عِجْلَةَ القِيَادَةِ لِأَحَدِ رِجَالِهِ، وَهَرَعَ مَعَ (صَفْوَانَ) إِلَى حَاجِزِ السَّفِينَةِ يَحْمِلَانِ المَنَاظِيرَ، لِيَجِدَا سَفِينَةً تَبْدُو خَالِيَةً كَأَنَّمَا ابْتَلَعَ المَوْتُ مَنْ فِيهَا، وَفَجْأَةً، مَالَتْ تِلْكَ السَّفِينَةُ إِلَى الخَلْفِ، وَغَاصَتْ مُؤَخِّرَتُهَا بِشَكْلٍ رَأْسِيٍّ مُخِيفٍ مُعْلِنَةً غَرَقَهَا السَّرِيعَ.

وَفِي غَمْرَةِ الذُّهُولِ، لَمَحَا رَجُلاً يُصَارِعُ الأَمْوَاجَ، فَأَمَرَ (سِنْدِبَادُ) بِإِلْقَاءِ حَبْلٍ إِلَيْهِ، وَبَعْدَ جُهْدٍ عَنِيفٍ، اسْتَقَرَّ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحِ سَفِينَةِ (سِنْدِبَادَ) وَهُوَ يَصِيحُ بِذُعْرٍ: «لَا تَتَوَقَّفُوا هُنَا.. ابْتَعِدُوا قَبْلَ أَنْ يَبْطِشَ بِكُمْ قَرَاصِنَةُ اللَّيْلِ!».

رَوَى النَّاجِي لَهُمْ حِكَايَةً تَقْشَعِرُّ لَهَا الأَبْدَانُ عَنْ مَخْلُوقَاتٍ تَنْبَثِقُ مِنَ الضَّوْءِ الأَخْضَرِ، تَلْمَعُ عُيُونُهُمْ بِلَا شُمُوعٍ، وَيَحْمِلُونَ عِصِيًّا تَقْذِفُ صَوَاعِقَ تُسْقِطُ الجَبَابِرَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَجُرُّونَ الأَسْرَى إِلَى سَفِينَةٍ مَعْدِنِيَّةٍ عَجِيبَةٍ، بَيْنَمَا تَرْبِطُهُمْ بِهَا خُيُوطٌ رَفِيعَةٌ غَامِضَةٌ.

قَرَّرَ (سِنْدِبَادُ) الحَذَرَ وَمُوَاصَلَةَ السَّيْرِ، لَكِنْ مَا إِنْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ حَتَّى بَرَزَتْ دَائِرَتَانِ مِنَ الضَّوْءِ الأَخْضَرِ تَنْقَضَّانِ نَحْوَهُمْ بِسُرْعَةٍ خُرَافِيَّةٍ، وَبَرَزَ القَرَاصِنَةُ المَعْدِنِيُّونَ بِدُرُوعِهِمُ الصَّلْبَةِ، لِيَبْدَأَ اشْتِبَاكٌ عَنِيفٌ تَحَطَّمَتْ فِيهِ السُّيُوفُ عَلَى صُدُورِ الغُزَاةِ، وَرَاحَ البَحَّارَةُ يَتَسَاقَطُونَ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ بِفِعْلِ تِلْكَ الصَّوَاعِقِ الصَّغِيرَةِ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ العَصِيبَةِ، لَمَحَ (سِنْدِبَادُ) الخَيْطَ الرَّفِيعَ الَّذِي يَصِلُ أَحَدَ القَرَاصِنَةِ بِسَفِينَتِهِ، فَأَدْرَكَ بِفِرَاسَتِهِ أَنَّهُ مَصْدَرُ قُوَّتِهِمْ، فَهَجَمَ (صَفْوَانُ) وَقَطَعَ خَيْطَ أَحَدِهِمْ فَهَوَى المَعْدِنِيُّ كَالحَجَرِ، رَغْمَ تَعَرُّضِ (صَفْوَانَ) لِصَعْقَةٍ أَلِيمَةٍ.

لَمْ يَنْتَظِرْ (سِنْدِبَادُ) طَوِيلاً، بَلْ قَفَزَ بِمَهَارَةٍ إِلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ المَعْدِنِيَّةِ، وَدَلَفَ إِلَى دَاخِلِهَا لِيَجِدَ عَالَمًا غَرِيبًا مِنَ الأَزْرَارِ وَالشَّاشَاتِ المُضِيئَةِ وَكُرَةً بَنَفْسَجِيَّةً تَدُورُ فِي صَمْتٍ، وَبِكُلِّ قُوَّتِهِ، هَوَى بِسَيْفِهِ عَلَى تِلْكَ الخُيُوطِ المُرْتَبِطَةِ بِالكُرَةِ، فَانْفَجَرَتِ الصَّوَاعِقُ وَتَحَطَّمَ كُلُّ شَيْءٍ، وَسَقَطَ بَطَلُنَا مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَسَطَ دَوِيٍّ هَائِلٍ.

عَلَى سَطْحِ السَّفِينَةِ، كَانَ البَحَّارَةُ يُرَاقِبُونَ بِقَلَقٍ تِلْكَ السَّفِينَةَ المَعْدِنِيَّةَ وَهِيَ تَبْدَأُ بِالغَرَقِ، لَكِنَّ المُعْجِزَةَ حَدَثَتْ حِينَ خَرَجَ (سِنْدِبَادُ) مَحْمُولاً عَلَى أَكْتَافِ رِجَالٍ كَانُوا أَسْرَى فِي جَوْفِ تِلْكَ الآلَةِ، لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ بَحَّارَةُ السَّفِينَةِ المَنْكُوبَةِ الَّذِينَ حَرَّرَهُمْ عَمَلُ (سِنْدِبَادَ) البُطُولِيُّ. غَاصَتْ سَفِينَةُ القَرَاصِنَةِ إِلَى القَاعِ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، وَاسْتَعَادَ (سِنْدِبَادُ) وَعْيَهُ لِيَجِدَ رِفَاقَهُ حَوْلَهُ، فَابْتَسَمَ رَغْمَ آلَامِهِ، وَأَمَرَ بِرَفْعِ الأَشْرِعَةِ مُجَدَّدًا، لِتَنْطَلِقَ السَّفِينَةُ نَحْوَ الوَطَنِ، مُخَلِّفَةً وَرَاءَهَا ذِكْرَى أُخْرَى لِنَصْرِ الإِرَادَةِ عَلَى الظَّلَامِ.

Hikayat.vip

أحدث أقدم