مغامرات سندباد 16 سَجِينِ البَحْرِ

مغامرات سندباد 16 سَجِينِ البَحْرِ


بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَشَاقَّةٍ، وَصَلَ الرَّحَّالَةُ الشَّجَاعُ سِنْدِبَادُ إِلَى مَدِينَةِ بَغْدَادَ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَجَوَّلُ فِي أَرْجَائِهَا، الْتَقَى بِامْرَأَةٍ طَيِّبَةٍ تَعْمَلُ بَائِعَةً لِلْمَاءِ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْكُنَ فِي بَيْتِهَا بَعْضَ الأَيَّامِ لِيَرْتَاحَ مِنْ تَعَبِ السَّفَرِ، رَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعِيشُ مَعَ طِفْلِهَا فِي فَقْرٍ شَدِيدٍ لَا يَجِدُونَ مَعَهُ سِوَى بَعْضِ الفُولِ وَالخُبْزِ لِيَقْتَاتُوا بِهِ. رَقَّ قَلْبُ سِنْدِبَادَ لِحَالِ هَذِهِ الأُسْرَةِ، وَحِينَمَا عَلِمَ أَنَّ زَوْجَهَا الرَّاحِلَ كَانَ صَيَّادًا يَمْلِكُ شَبَكَةً لِلصَّيْدِ، قَرَّرَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى البَحْرِ لِيُجَرِّبَ حَظَّهُ وَيَصْطَادَ لَهُمْ بَعْضَ الأَسْمَاكِ لِيُخَفِّفَ عَنْهُمْ وَطْأَةَ الحَاجَةِ. وَقَفَ سِنْدِبَادُ عَلَى الشَّاطِئِ وَرَمَى الشَّبَكَةَ فِي أَعْمَاقِ المِيَاهِ، وَبَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ صَعْبَةٍ، شَعَرَ بِثِقْلٍ كَبِيرٍ، فَسَحَبَ الشَّبَكَةَ لِيَجِدَ فِيهَا قِدْرًا نُحَاسِيًّا غَرِيبًا مُغَلَّفًا بِغِطَاءٍ ثَقِيلٍ.

وَمَا إِنْ فَتَحَ سِنْدِبَادُ ذَلِكَ القِدْرَ، حَتَّى انْدَفَعَ مِنْهُ دُخَانٌ كَثِيفٌ تَشَكَّلَ فِي صُورَةِ جِنِّيٍّ أَزْرَقَ عِمْلَاقٍ يُدْعَى "سَجِينَ البَحْرِ"، وَالَّذِي بَدَلًا مِنْ أَنْ يَشْكُرَ مَنْ أَنْقَذَهُ، صَرَخَ فِي وَجْهِ سِنْدِبَادَ وَتَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ وَبِأَنَّهُ سَيُلْقِي بِهِ فِي قَعْرِ البَحْرِ. حَاوَلَ سِنْدِبَادُ الاسْتِعْطَافَ وَطَلَبَ الصَّفْحَ، لَكِنَّ الجِنِّيَّ كَانَ مَمْلُوءًا بِالغَيْظِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سُجِنَ فِي ذَلِكَ القِدْرِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا بِأَمْرٍ مِنَ الجِنِّيِّ الأَزْرَقِ العَظِيمِ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ لِصَالِحِ البَشَرِ ضِدَّ أَوَامِرِ سَيِّدِهِ. وَقَدْ حَكَى الجِنِّيُّ كَيْفَ تَبَدَّلَتْ مَشَاعِرُهُ خِلَالَ سَنَوَاتِ السِّجْنِ؛ فَفِي الأَلْفِ يَوْمٍ الأُولَى، مَنَّى نَفْسَهُ بِأَنْ يَمْنَحَ كُنُوزَ الأَرْضِ لِمَنْ يُخْرِجُهُ، لَكِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ، وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ آلَافِ يَوْمٍ، قَرَّرَ أَنْ يُحَقِّقَ لِمُنْقِذِهِ ثَلَاثَ رَغَبَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَيْضًا، وَأَخِيرًا، بَعْدَ مُرُورِ سِتَّةِ آلَافِ يَوْمٍ فِي ذَلِكَ السِّجْنِ الضَّيِّقِ، أَقْسَمَ أَنْ يَقْتُلَ أَيَّ إِنْسَانٍ يَكُونُ هُوَ السَّبَبُ فِي خُرُوجِهِ، وَكَانَ سِنْدِبَادُ هُوَ ذَلِكَ المَنْحُوسَ.

فَكَّرَ سِنْدِبَادُ بِسُرْعَةٍ لِيُنْقِذَ حَيَاتَهُ، فَلَجَأَ إِلَى الحِيلَةِ وَالذَّكَاءِ، حَيْثُ تَظَاهَرَ بِعَدَمِ التَّصْدِيقِ وَقَالَ لِلْجِنِّيِّ إِنَّ رَجُلًا بِهَذَا الحَجْمِ الهَائِلِ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ القِدْرِ الصَّغِيرِ، وَأَنَّهُ لَنْ يُصَدِّقَهُ إِلَّا إِذَا رَأَى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ. اسْتَفَزَّ هَذَا الكَلَامُ الجِنِّيَّ، فَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ قُدْرَتَهُ، فَتَحَوَّلَ إِلَى دُخَانٍ وَدَخَلَ القِدْرَ مَرَّةً أُخْرَى، وَفِي لَمْحِ البَصَرِ، سَارَعَ سِنْدِبَادُ إِلَى إِغْلَاقِ الغِطَاءِ بِإِحْكَامٍ، فَحُبِسَ الجِنِّيُّ مَرَّةً أُخْرَى. هُنَا، تَحَوَّلَ صُرَاخُ التَّهْدِيدِ إِلَى نِدَاءَاتِ اسْتِغَاثَةٍ وَتَوَسُّلٍ، حَيْثُ رَجَا الجِنِّيُّ سِنْدِبَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ، مُعَاهِدًا إِيَّاهُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ طَيِّبًا وَلَنْ يُؤْذِيَهُ أَبَدًا، فَمَا كَانَ مِنْ سِنْدِبَادَ إِلَّا أَنْ فَتَحَ القِدْرَ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ رَدَّ مَنْ يَسْتَغِيثُ بِصِدْقٍ.

أَبْدَى الجِنِّيُّ امْتِنَانَهُ الشَّدِيدَ لِشَجَاعَةِ سِنْدِبَادَ وَنُبْلِ أَخْلَاقِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُكَافِئَهُ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى اتِّجَاهٍ مُعَيَّنٍ طَالِبًا مِنْهُ أَنْ يَمْشِيَ فِيهِ لِمُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَبْرَ الحُقُولِ وَالجِبَالِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى بُحَيْرَةٍ سِحْرِيَّةٍ تُحِيطُ بِهَا أَرْبَعُ تِلَالٍ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ هَذِهِ البُحَيْرَةَ تَحْتَوِي عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الأَسْمَاكِ المُلَوَّنَةِ: الأَحْمَرِ، وَالأَزْرَقِ، وَالأَصْفَرِ، وَالأَبْيَضِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَصْطَادَ سَمَكَةً وَاحِدَةً مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَيُقَدِّمَهَا هَدِيَّةً لِلْحَاكِمِ، فَهُنَاكَ سَيَجِدُ الحَظَّ وَالخَيْرَ الوَفِيرَ. وَدَّعَ الجِنِّيُّ سِنْدِبَادَ، وَانْطَلَقَ بَطَلُنَا فِي مَغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ وَهُوَ يَتَسَاءَلُ عَنْ سِرِّ هَذِهِ الأَسْمَاكِ العَجِيبَةِ، وَعَنْ قِصَّةِ الحَاكِمِ المُتَحَجِّرِ وَالأَمِيرَةِ، نَاوِيًا أَنْ يَعُودَ بِالفَائِدَةِ لِتِلْكَ المَرْأَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي اسْتَضَافَتْهُ فِي بَيْتِهَا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم