سندباد 03 في جزيرة الجياد

 سِنْدِبَادُ فِي جَزِيرَةِ الْجِيَادِ


تَوَقَّفَتِ السَّفِينَةُ وَسَطَ لُجَّةِ الْبَحْرِ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهَا وَهَنٌ وَتَلَفٌ فِي جَوَانِبِهَا، فَأَقْبَلَ (صَفْوَانُ) نَحْوَ (سِنْدِبَادَ) وَعَلَى وَجْهِهِ أَمَاراتُ الْأَسَفِ، يُخْبِرُهُ أَنَّ الْإِصْلَاحَاتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتِمَّ وَالْأَمْوَاجُ تَتَقَاذَفُهُم، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَرْسًى هَادِئٍ قُرْبَ شَاطِئٍ مَكِينٍ. رَفَعَ (سِنْدِبَادُ) منظاره يُنَقِّبُ فِي الْأُفُقِ عَنْ يَبَابٍ، وَبَيْنَمَا كَانَ الْيَأْسُ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِمْ، لَمَحَ جَزِيرَةً غَرِيبَةَ الشَّأْنِ، تَبْرُزُ فِي مُقَدِّمَتِهَا صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ نُحِتَتْ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ عَلَى شَكْلِ رَأْسِ جَوَادٍ وَعُنُقِهِ، وَكَأَنَّ يَدًا بَشَرِيَّةً صَنَعَتْهَا ثُمَّ تَرَكَتْهَا لِعَوَامِلِ الزَّمَنِ.

تَعَجَّبَ (صَفْوَانُ) مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَوْهَا قَطُّ رَغْمَ كَثْرَةِ تَرْحَالِهِمْ فِي هَذَا الْبَحْرِ، لَكِنَّ (سِنْدِبَادَ) طَمْأَنَهُ بِأَنَّ لِلْبَحْرِ عَجَائِبَ لَا تَنْقَضِي. رَسَتِ السَّفِينَةُ عَلَى بُعْدِ مَسَافَةٍ مِنَ الشَّاطِئِ لِضَحَالَةِ الْمِيَاهِ، وَقَرَّرَ (سِنْدِبَادُ) وَ(صَفْوَانُ) مَعَ ثَلَاثَةٍ مِنَ الرِّجَالِ اسْتِكْشَافَ الْمَكَانِ. حِينَمَا وَطِئَتْ أَقْدَامُهُمُ الرِّمَالَ، انْدَهَشُوا لِوُجُودِ آثَارِ حَوَافِرِ خَيْلٍ كَثِيرَةٍ وَاضِحَةٍ، وَتَسَاءَلُوا كَيْفَ لِلْجِيَادِ أَنْ تَعِيشَ فِي جَزِيرَةٍ مَعْزُولَةٍ ؟

تَغَلْغَلُوا فِي دَغَلٍ كَثِيفٍ بَعْدَ أَنْ تَرَكُوا أَحَدَ الرِّجَالِ يَحْرُسُ الزَّوْرَقَ، وَفَجْأَةً صَكَّ آذَانَهُمْ صَهِيلٌ جَبَّارٌ يَنِمُّ عَنْ زَعَامَةٍ وَقُوَّةٍ. هُرِعُوا نَحْوَ الصَّوْتِ لِيَجِدُوا جَوَادًا أَبْيَضَ شَاهِقًا، مَمْشُوقَ الْقَوَامِ، يَقِفُ فَوْقَ قِمَّةٍ صَخْرِيَّةٍ شَاهِقَةٍ لَا يَطَالُهَا بَشَرٌ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَمَزَّقَ السُّكُونُ بِصَرْخَةِ ذُعْرٍ بَشَرِيَّةٍ آتِيَةٍ مِنَ الشَّاطِئِ، فَعَادُوا رَكْضًا لِيَجِدُوا زَمِيلَهُمْ مَصْرُوعًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ، وَقَدْ وَقَفَ جَنْبَهُ جَوَادَانِ أَسْوَدَانِ فِي شَرَاسَةٍ لَا تُوصَفُ.

لَمْ يَكْتَفِ الْجَوَادَانِ بِقَتْلِ الرَّجُلِ، بَلْ حَطَّمَ أَحَدُهُمَا قَاعَ الزَّوْرَقِ بِحَافِرَيْهِ لِيَقْطَعَ عَلَيْهِمْ سُبُلَ النَّجَاةِ. وَبَيْنَمَا كَانُوا يَنْتَظِرُونَ زَوْرَقًا آخَرَ مِنَ السَّفِينَةِ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، بَرَزَ جَوَادٌ أَسْوَدُ مِنَ الْقَاعِ وَهَاجَمَ الزَّوْرَقَ الْقَادِمَ، وَاخْتَطَفَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ لِيَغُوصَ بِهِ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ. رَانَ صَمْتٌ رَهِيبٌ، وَأَيْقَنَ (سِنْدِبَادُ) أَنَّ الْجِيَادَ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الرَّحِيلِ.

قَضَى الرِّجَالُ لَيْلَةً مَشْحُونَةً بِالتَّوَتُّرِ حَوْلَ نَارٍ ضَخْمَةٍ، لَكِنَّ الْجِيَادَ السَّوْدَاءَ ظَهَرَتْ ثَانِيَةً، وَتَحَدَّتْ خَوْفَ الْحَيَوَانَاتِ مِنَ النَّارِ، بَلْ إِنَّ أَحَدَهَا الْتَقَطَ غُصْنًا مُشْتَعِلاً بِأَسْنَانِهِ وَرَمَاهُ نَحْوَ (سِنْدِبَادَ) فِي ذَكاءٍ شِرِّيرٍ. وَمَعَ تَبَاشِيرِ الصَّبَاحِ، وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ أَمَامَ جَيْشٍ مُنَظَّمٍ مِنَ الْخُيُولِ السَّوْدَاءِ الَّتِي اسْتَعَدَّتْ لِسَحْقِهِمْ.

انْقَضَّتِ الْجِيَادُ فِي هُجُومٍ كَاسِحٍ، وَبَيْنَمَا كَانَ الِانْتِصَارُ مُسْتَحِيلاً، ظَهَرَ الْجَوَادُ الْأَبْيَضُ فَجْأَةً مِنَ الْخَلْفِ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَوْتِ، مُطْلِقًا صَهِيلاً أَرْعَبَ الْجِيَادَ السَّوْدَاءَ وَأَجْبَرَهَا عَلَى الْفِرَارِ. وَفِي مَشْهَدٍ يَفُوقُ الْخَيَالَ، بَرَزَ لِلْجَوَادِ الْأَبْيَضِ جَنَاحَانِ عَظِيمَانِ، وَحَلَّقَ فِي السَّمَاءِ بَعِيدًا، بَيْنَمَا تَمَكَّنَ الرِّجَالُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى زَوْرَقٍ وَصَلَ الشَّاطِئَ بِمُعْجِزَةٍ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ الْمَاءِ مُبْتَعِدَةً، كَانَ الْجَوَادُ الْأَبْيَضُ يَقِفُ بِجَانِبِ زَعِيمِ الْجِيَادِ السُّودِ، يُرَاقِبَانِ (سِنْدِبَادَ) وَهُوَ يَمْضِي نَحْوَ مَصِيرٍ جَدِيدٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم