سندباد 04 الحوت القاتل

سِنْدِبَادُ 04 الْحُوتُ الْقَاتِلُ


كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ الْبَحْرِ فِي ثَبَاتٍ، تَقُصُّ الْمَوْجَ قَصًّا وَهِيَ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا إِلَى أَرْضِ الْوَطَنِ، وَكَانَ (صَفْوَانُ) يَقِفُ عِنْدَ الْحَافَةِ يَسْتَنْشِقُ الْهَوَاءَ الْعَلِيلَ الَّذِي مَلأَ صَدْرَهُ طُمَأْنِينَةً، فَالْتَفَتَ إِلَى صَدِيقِهِ (سِنْدِبَادَ) قَائِلًا وَالِابْتِسَامَةُ تَعْلُو ثَغْرَهُ: "إِنَّ الرِّيَاحَ طَيِّعَةٌ وَالْجَوَّ رَائِقٌ، وَكُلُّ أَمْرِنَا يَمْضِي بِخَيْرٍ". بَادَلَهُ (سِنْدِبَادُ) الِابْتِسَامَةَ، مُعَبِّرًا عَنْ عِشْقِهِ لِلْبَحْرِ حِينَمَا يَهْدَأُ وَيَكُفُّ عَنْ ثَوْرَتِهِ، ثُمَّ اقْتَرَحَ أَنْ يَبْدَأَ الْبَحَّارَةُ بِإِلْقَاءِ شِبَاكِهِمْ لِصَيْدِ مَا يَكْفِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ لِبَقِيَّةِ الرِّحْلَةِ. وَبَيْنَمَا هُمْ فِي هَذَا الْهُدُوءِ، ارْتَفَعَ صَوْتُ الْمُرَاقِبِ مِنْ أَعْلَى الصَّارِي مُحَذِّرًا مِنْ ظُهُورِ سَمَكَةٍ عِمْلَاقَةٍ فِي الْأُفُقِ، وَبِتَفَحُّصِهَا عَبْرَ الْمَنَاظِيرِ، تَبَيَّنَ أَنَّهُ حُوتٌ أَزْرَقُ ضَخْمٌ، لَكِنَّ أَمْرَهُ كَانَ مَرِيبًا، إِذْ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَتَعَقَّبُ السَّفِينَةَ بِإِصْرَارٍ غَرِيبٍ. مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَتَسَلُّلِ الظَّلَامِ، رَصَدَ الْبَحَّارَةُ نُورًا غَامِضًا يَتَأَلَّقُ فَوْقَ ظَهْرِ الْحُوتِ، يُشْبِهُ فِي شَكْلِهِ عَنْكَبُوتًا عِمْلَاقًا مُضِيئًا، وَفَجْأَةً، بَدَأَ الْحُوتُ هُجُومًا شَرِسًا، فَارْتَطَمَ بِجَانِبِ السَّفِينَةِ ارْتِطَامًا مَهُولًا زَلْزَلَ أَرْكَانَهَا وَنَشَرَ الذُّعْرَ بَيْنَ الرِّجَالِ.

لَمْ يَكُنِ الْحُوتُ يَتَصَرَّفُ بِفِطْرَتِهِ، بَلْ كَانَ خَاضِعًا لِسَيْطَرَةِ ذَلِكَ الْكَائِنِ الطُّفَيْلِيِّ الْمُضِيءِ الَّذِي انْغَرَزَتْ مَخَالِبُهُ فِي ظَهْرِهِ، وَرَاحَ (سِنْدِبَادُ) يُنَاوِرُ بِالسَّفِينَةِ بِبَرَاعَةٍ لِتَفَادِي ضَرَبَاتِ الذَّيْلِ الْعِمْلَاقِ الَّتِي كَادَتْ أَنْ تُحَطِّمَ الدَّفَّةَ وَتَقْضِيَ عَلَى الْجَمِيعِ. وَلَمَّا رَأَى (سِنْدِبَادُ) أَنَّ الْمِيَاهَ بَدَأَتْ تَتَسَرَّبُ إِلَى جَوْفِ السَّفِينَةِ، أَدْرَكَ أَنَّ الْحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي الْهَرَبِ، بَلْ فِي مُوَاجَهَةِ مَصْدَرِ الشَّرِّ. أَلْقَى بِعَجَلَةِ الْقِيَادَةِ إِلَى (صَفْوَانَ) وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ الْبَاتِرَ، ثُمَّ وَثَبَ وَثْبَةً جَرِيئَةً مِنْ فَوْقِ الْحَاجِزِ لِيَهْبِطَ فَوْقَ جِلْدِ الْحُوتِ اللَّزِجِ وَسَطَ صَرَخَاتِ الدَّهْشَةِ مِنْ رِفَاقِهِ. هُنَاكَ، وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ مَخْلُوقٍ عَجِيبٍ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَرْجُلٍ مَاسِيَّةٍ، وَعَيْنَانِ يَقْطُرُ مِنْهُمَا الْغَدْرُ، كَانَ يَغْرِسُ إِبْرَةً طَوِيلَةً فِي رَأْسِ الْحُوتِ لِيُوَجِّهَهُ كَيْفَمَا شَاءَ.

الْتَحَمَ (سِنْدِبَادُ) مَعَ الْعَنْكَبُوتِ الْمُضِيءِ فِي مَعْرَكَةٍ خَاطِفَةٍ، انْتَزَعَ خِلَالَهَا الْكَائِنُ السَّيْفَ مِنْ يَدِ (سِنْدِبَادَ) بِقُوَّةٍ خَارِقَةٍ، مِمَّا أَدَّى إِلَى سُقُوطِ الْبَطَلِ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ. لَمْ يَهْتَزَّ لِلْمَوْتِ جَفْنُ (سِنْدِبَادَ)، فَقَدِ اسْتَلَّ خَنْجَرَهُ تَحْتَ الْمَاءِ وَتَهَيَّأَ لِلْمُوَاجَهَةِ الْأَخِيرَةِ، وَحِينَمَا انْدَفَعَ الْكَائِنُ نَحْوَهُ لِيَغْرِسَ إِبْرَتَهُ فِي جُمْجُمَتِهِ، بَاغَتَهُ (سِنْدِبَادُ) بِطَعْنَةٍ نَافِذَةٍ فِي صَمِيمِ جَسَدِهِ الْمُتَأَلِّقِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْطَلَقَتْ صَرْخَةٌ مَزَّقَتْ سُكُونَ الْأَعْمَاقِ، وَتَوَهَّجَ الْعَنْكَبُوتُ بِنُورٍ صَاعِقٍ قَبْلَ أَنْ يَتَلَاشَى تَمَامًا وَيَتَحَوَّلَ إِلَى عَدَمٍ. وَبِمُجَرَّدِ زَوَالِهِ، اسْتَعَادَ الْحُوتُ سَكِينَتَهُ وَكَفَّ عَنِ الْعَدَاءِ، وَغَاصَ فِي الْأَعْمَاقِ هَارِبًا، بَيْنَمَا طَفَا (سِنْدِبَادُ) عَلَى السَّطْحِ لِيَسْتَقْبِلَهُ الرِّجَالُ بِالْأَهَازِيجِ. وَمَعَ بُزُوغِ فُجْرِ يَوْمٍ جَدِيدٍ، كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْضِي نَحْوَ الدِّيَارِ، وَ (سِنْدِبَادُ) يَتَأَمَّلُ الْأُفُقَ قَائِلًا: "لَقَدْ كَتَبَ اللهُ لَنَا نَجَاةً مِنْ أَمْرٍ لَا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إِلَّا هُوَ، وَسَيَظَلُّ هَذَا السِّرُّ حِكَايَةً تَرْوِيهَا الْأَجْيَالُ عَنْ عَجَائِبِ هَذَا الْبَحْرِ الْوَاسِعِ".

إرسال تعليق

أحدث أقدم