أبو صير وأبو قير

أبو صير وأبو قير

كان يا ما كان، في قديم الزمان بمدينة الإسكندرية الجميلة، عاش جارَان يعملان في مهنتين مختلفتين. الأول كان حلاقاً طيب القلب، ذكياً وحسن الخلق اسمه "أبو صير"، ولكنه كان فقيراً جداً يكافح يومياً ليجد لقمة عيشه. أما جاره الثاني فكان صباغاً ماهراً في صنعته ولكنه كان رجلاً ماكراً، خبيثاً وسيء السمعة اسمه "أبو قير". كان "أبو قير" مثالاً للطمع والغش؛ فإذا تحدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمنه أحد خانه، حتى كرهه الناس وتوقفوا عن الذهاب إلى دكانه.

كان "أبو قير" يخدع زبائنه بأخذ ثيابهم وأجورهم مقدماً بحجة شراء الأصباغ، ثم يذهب ليبيع الثياب في السوق ويشتري بثمنها أشهى المأكولات والحلويات ليأكلها وحده. وعندما يطالبه أصحاب الثياب بها، يختلق أعذاراً كاذبة يوماً بعد يوم، حتى يدعي في النهاية أن لصاً سرقها من الدكان. استمر في احتياله حتى علم القاضي بأمره فأمر بإغلاق دكانه حماية للناس. حينها، شعر "أبو صير" الحلاق بالكساد في عمله أيضاً، فاقترح عليه جاره الصباغ أن يسافرا معاً إلى بلد بعيد ليبحثا عن رزق جديد. وافق "أبو صير" الطيب وتعاهدا على أن يعملا بجد ويقتسما كل ما يربحانه بالتساوي.

ركب الصديقان سفينة كبيرة، وبينما كان "أبو قير" يقضي وقته في النوم والأكل بشراهة، كان "أبو صير" يتنقل بنشاط بين الركاب يحلق لهم رؤوسهم مقابل الطعام والمال. وبسبب أدبه ومهارته، أعجب به ربان السفينة ودعاه هو وصاحبه للأكل على مائدته يومياً، وظل "أبو صير" يعول صاحبه الكسول حتى وصلا إلى مدينة غريبة. هناك استأجرا غرفة في فندق، واستمر "أبو صير" في الخروج للعمل يومياً بينما يدعي "أبو قير" المرض ليبقى نائماً ويأكل من تعب صديقه. ولكن في أحد الأيام، سقط "أبو صير" مريضاً حقاً وعجز عن الحركة، فما كان من "أبو قير" الخائن إلا أن سرق كيس نقود صديقه المريض وهرب، تاركاً إياه وحيداً خلف باب مغلق.

خرج "أبو قير" يتجول في المدينة، فلاحظ أن جميع الصباغين لا يعرفون سوى تلوين الثياب باللون الأزرق فقط. استغل الفرصة وذهب إلى ملك المدينة وعرض عليه مهارته في صبغ الثياب بكل ألوان الطيف. فرح الملك جداً وأمر ببناء مصبغة ضخمة له في أجمل شوارع المدينة، فأصبح "أبو قير" غنياً جداً وذا نفوذ كبير، لكنه لم يتذكر صديقه "أبو صير" الذي أطعمه في ضيقه بل نسي فضله تماماً.

في هذه الأثناء، ظل "أبو صير" مريضاً لثلاثة أيام حتى أنقذه صاحب الفندق الكريم الذي اعتنى به حتى شفي تماماً. وعندما خرج "أبو صير" يتجول في المدينة، رأى الزحام أمام مصبغة صديقه القديم، فدخل فرحاً ليهنئه بنجاحه. لكن "أبو قير" الخبيث خشي أن يطالبه "أبو صير" بنصيبه من المال، فصاح في وجهه أمام الناس: "أيها اللص! هل جئت لتسرقني مرة أخرى؟". ثم أمر غلمانه بضربه بشدة وإلقائه في الطريق.

حزن "أبو صير" كثيراً من غدر صاحبه، ثم ذهب يبحث عن حمام يستحم فيه فلم يجد في تلك المدينة سوى البحر. ذهب إلى الملك واقترح عليه بناء حمام فاخر، فأعجب الملك بالفكرة وأمر ببنائه. حقق الحمام نجاحاً باهراً وأحب الجميع "أبا صير" لطيبته وأدبه، حتى زاره الملك بنفسه وسُر جداً بنظافته ونظامه وكافأه مكافأة عظيمة. وعندما سمع "أبو قير" بشهرة الحمام، ذهب ليرى صاحبه، وتظاهر بالأسف والاعتذار مدعياً أنه لم يعرفه في المرة السابقة بسبب آثار المرض على وجهه. سامحه "أبو صير" كعادته، لكن "أبو قير" بدأ يدبر له مكيدة جديدة من الحقد.

قال "أبو قير" لصاحبه: "يا صديقي، نصيحتي لك أن تعرض على الملك الحلاقة في زيارته القادمة ليكمل سروره". ثم أسرع "أبو قير" إلى الملك وقال له كذباً: "يا مولاي، إن صاحب الحمام رجل خبيث جاء ليقتلك بموسى مسمومة بتحريض من أعدائك". في اليوم التالي، عندما عرض "أبو صير" على الملك أن يحلق له، صدق الملك الوشاية وغضب غضباً شديداً، وأمر بوضع "أبو صير" في "غرارة" (كيس كبير) وإلقائه في البحر.

لحسن الحظ، كان كبير الخدم يحب "أبا صير" لأدبه، فقام بتهريبه ووضع في الكيس رمالاً وحجارة بدلاً منه، ووقف تحت نافذة القصر وألقى الكيس في البحر أمام الملك. وفي تلك اللحظة، سقط خاتم الملك الثمين من إصبعه في الماء. ذهب "أبو صير" ليصطاد السمك على الشاطئ، فاصطاد سمكة كبيرة وعندما شقها وجد في بطنها خاتم الملك فلبسه في إصبعه. وعندما رآه كبير الخدم بالخاتم، أخبره أن هذا الخاتم سحري وأن من يشير به إلى أحد يقتله، وأخبره أن الملك لا يستطيع الحكم بدونه.

بكل أمانة، ذهب "أبو صير" إلى الملك وأعاد له الخاتم، فدهش الملك وسأله عن سبب غضبه منه، فأخبره "أبو صير" بكل ما حدث وبقصته الطويلة مع غدر "أبو قير". حينها أدرك الملك الحقيقة وغضب على الصباغ الخائن، وأمر بأن يلقى في البحر بنفس الطريقة التي دبرها لصاحبه. وهكذا نال "أبو قير" جزاء خيانته، أما "أبو صير" فقد كافأه الملك وعاد إلى بلده الإسكندرية غنياً ومحبوباً، وعاش بقية حياته في سعادة وهناء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم