جحا والسائل

جُحَا وَالسَّائِلُ


فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَ جُحَا يَعِيشُ فِي مَنْزِلٍ جَمِيلٍ مَعَ زَوْجَتِهِ. وَفِي كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، كَانَ جُحَا يُحِبُّ أَنْ يَخْلُوَ بِنَفْسِهِ فِي الطَّابِقِ العُلْوِيِّ لِيَقْرَأَ كُتُبَهُ المُفِيدَةَ بِهُدُوءٍ. كَانَ جَمِيعُ النَّاسِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ العَادَةَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ جُحَا يُفَضِّلُ الْعُزْلَةَ وَالرَّاحَةَ فِي هَذَا الوَقْتِ تَحْدِيدًا.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، اجْتَمَعَ بَعْضُ الرِّجَالِ فِي مَجْلِسٍ، وَرَاحُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ حِكْمَةِ جُحَا وَذَكَائِهِ. فَجْأَةً، قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَتَحَدَّى الجَمِيعَ قَائِلًا: "أَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُزْعِجَ جُحَا وَأَجْعَلَهُ يَقْطَعُ عُزْلَتَهُ اليَوْمِيَّةَ وَيَنْزِلَ مِنْ غُرْفَتِهِ!".

اخْتَارَ الرَّجُلُ يَوْمًا كَانَتْ فِيهِ الشَّمْسُ قَوِيَّةً وَالحَرُّ شَدِيدًا، وَذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِ جُحَا. بَدَأَ الرَّجُلُ يَطْرُقُ البَابَ بِقُوَّةٍ كَبِيرَةٍ. لَمْ يَرُدَّ جُحَا فِي البِدَايَةِ، لَكِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَتَوَقَّفْ، بَلْ ظَلَّ يَضْرِبُ البَابَ بِعَصًا غَلِيظَةٍ كَانَتْ مَعَهُ.

شَعَرَ جُحَا بِالقَلَقِ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ كَانَتْ نَائِمَةً، وَخَافَ أَنْ يُوقِظَهَا هَذَا الضَّجِيجُ العَالِي. فَتَحَ جُحَا النَّافِذَةَ وَأَطَلَّ بِرَأْسِهِ، فَرَأَى الرَّجُلَ وَهُوَ يَطْرُقُ البَابَ بِعُنْفٍ. صَاحَ جُحَا بِهِ: "عَلَى مَهْلِكَ يَا هَذَا! مَا كُلُّ هَذَا الإِزْعَاجِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ؟".

نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى جُحَا وَقَالَ لَهُ: "انْزِلْ يَا جُحَا إِلَى الأَسْفَلِ.. أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَكَ فِي مَوْضُوعٍ هَامٍّ!". نَزَلَ جُحَا بِسُرْعَةٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا طَارِئًا، وَلَمَّا فَتَحَ البَابَ، قَالَ لَهُ الرَّجُلُ بِكُلِّ هُدُوءٍ: "أَنَا رَجُلٌ فَقِيرٌ وَأُرِيدُ مِنْكَ صَدَقَةً".

تَعَجَّبَ جُحَا مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ ظَاهِرِيًّا، بَلْ فَكَّرَ فِي طَرِيقَةٍ لِيُلَقِّنَهُ دَرْسًا. فَقَالَ لِلرَّجُلِ: "حَسَنًا، اصْعَدْ مَعِي إِلَى الطَّابِقِ العُلْوِيِّ". صَعِدَ الرَّجُلُ وَهُوَ سَعِيدٌ يَظُنُّ أَنَّ جُحَا سَيُعْطِيهِ مَالًا كَثِيرًا. وَعِنْدَمَا وَصَلَا إِلَى الأَعْلَى، نَظَرَ جُحَا إِلَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُ يُعْطِيكَ!".

دُهِشَ الرَّجُلُ وَقَالَ: "لِمَاذَا جَعَلْتَنِي أَصْعَدُ كُلَّ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ لِتَقُولَ لِي ذَلِكَ؟ كَانَ يُمْكِنُكَ قَوْلُهَا وَأَنَا بِالأَسْفَلِ!". فَتَبَسَّمَ جُحَا وَقَالَ: "وَأَنْتَ أَيْضًا.. لِمَاذَا جَعَلْتَنِي أَنْزِلُ كُلَّ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ وَأَنَا مَشْغُولٌ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَقُولَ مَا تُرِيدُ وَأَنَا فِي الأَعْلَى؟". وَهَكَذَا تَعَلَّمَ الرَّجُلُ أَنَّ وَقْتَ الآخَرِينَ ثَمِينٌ وَلَا يَجِبُ إِزْعَاجُهُمْ دُونَ سَبَبٍ قَوِيٍّ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم