جحا شجاع جداً
كان يا ما كان، في قديم الزمان، عاش جحا في قرية صغيرة، وكان معروفاً بين جيرانه وأهل قريته بالنشاط والهمة، ولكن أكثر ما كان يميزه هو حكاياته العجيبة التي يقصها على أصدقائه في مجالسهم.
كان جحا يملأ الدنيا ضجيجاً ببطولاته الوهمية ومواقفه الشجاعة التي لم تحدث أبداً، فكان الناس يجتمعون حوله ليستمتعوا بنوادره وطرايفه المضحكة.
وفي تلك الأيام، كان جحا بلا عمل، يقضي وقته في الكلام والسمر.
وفي يوم من الأيام، زار القرية تاجر عجوز يبحث عن رجل قوي وشجاع ليساعده في أعماله الشاقة، فسأل أهل القرية: "من هو الرجل المناسب لهذه المهمة؟"، فأشار الجميع إلى جحا.
ذهب التاجر إلى جحا وقال له: "يا جحا، لقد سمعت الكثير عن شجاعتك وقوتك، فهل تعمل معي؟ وسوف أعطيك أجراً كبيراً".
وافق جحا على الفور، فأعطاه التاجر بعض الدراهم ليتركها لأهله، وطلب منه الاستعداد للسفر في الصباح الباكر لنقل بعض البضائع إلى بلدة مجاورة.
في صباح اليوم التالي، انطلق التاجر ومعه جحا، وطوال الطريق لم يتوقف جحا عن الكلام، وظل يقص على التاجر قصصاً خيالية عن شجاعته المزعومة حتى شعر التاجر بالضيق والملل.
وعندما انتصف النهار واشتدت الحرارة، أراد التاجر أن يستريح قليلاً في ظل شجرة كبيرة بجوار نبع ماء صافٍ.
طلب التاجر من جحا أن ينزل الأحمال عن ظهر الحمار ليرتاح الحيوان، فتمارض جحا وقال: "آسف يا سيدي، لا أستطيع ذلك، فذراعي تؤلمني جداً!".
لم يجد التاجر مفراً من القيام بالعمل بنفسه، وبعد قليل قال لجحا: "هيا يا جحا، اطبخ لنا الطعام لنأكل"، فرد جحا بكسل: "للأسف يا سيدي، أنا لا أحسن الطهي أبداً".
فقام التاجر بطهي الطعام ووضعه في الأطباق، ثم طلب من جحا إحضار الماء من النبع، فاعتذر جحا مجدداً وقال: "أخشى يا سيدي أن تبتل ملابسي فأصاب بالبرد!".
أحضر التاجر الماء بنفسه، وعندما نادى جحا ليأكل، أسرع جحا وقال بتفاخر: "سآكل الآن حتى لا تظن أنني لا أستطيع فعل شيء!".
وبينما هما جالسان يتناولان الطعام، ظهر فجأة دُبٌّ ضخم ومخيف.
ارتبك التاجر العجوز وفزع فزعاً شديداً، فصاح بجحا: "هيا يا جحا! أرنا شجاعتك التي يتحدث عنها الجميع، أنقذنا من هذا الدب المفترس!".
هنا، ظهرت الحقيقة، فارتجف جحا من الخوف واصفر وجهه، وقال للتاجر: "ماذا أفعل؟ أنا لا أستطيع حماية نفسي حتى من فأر صغير! ولكن افعل كما سأفعل الآن". ثم أطلق جحا ساقيه للريح وجرى بأقصى سرعة هرباً من الدب.
لحق الدب بجحا وترك التاجر العجوز وحماره، فظل جحا يركض ويركض وهو ينظر خلفه برعب ليجد الدب يطارده، بينما استغل التاجر الفرصة وهرب بحماره في الاتجاه الآخر.
وبعد عناء طويل وجري مرير، وصل جحا إلى قريته وهو يلهث من التعب ومنهك القوى تماماً.
اجتمع حوله أصدقاؤه وسألوه بلهفة: "ماذا حدث لك يا جحا؟"، فحاول جحا أن يغطي على هروبه وقال وهو يلتقط أنفاسه: "لقد أنقذت التاجر من الدب، ولكن الدب جعلني أدفع ثمن ذلك جرياً وفزعاً طوال الطريق!".