جحا والجار الطماع
كان ياما كان، في قديم الزمان، كان لِجحا مَزرعةٌ واسعةٌ وجميلة، وكان يسكن بجواره جارٌ يملك مَزرعةً غنيةً بأشجار الفاكهة والمزروعات المتنوعة.
ولم يكن يفصل بين مَزرعة جحا الكبيرة ومَزرعة جاره إلا كومةٌ صغيرة من الحجارة تحدد الحدود بينهما.
لكن هذا الجار لم يكن قنوعاً بما لديه، بل كان طماعاً يتمنى لو استطاع أن يزيد مساحة أرضه حتى لو كان ذلك بالاعتداء على أرض جاره الطيب جحا.
ظل الجار يفكر في حيلةٍ تُمكنه من سرقة جزء من أرض جحا، حتى أتعب نفسه من كثرة التفكير.
وفي ليلةٍ شديدة الظلمة، تسلل الجار الطماع إلى مَزرعة جحا وهو يتحسس طريقه بحذر. وعندما وصل إلى كومة الحجارة الفاصلة، بدأ يرفعها حجراً حجراً، وينقلها إلى داخل أرض جحا ببطء شديد.
وعندما انتهى من نقل الحجارة كلها، عاد إلى منزله متسللاً وهو يشعر بسرورٍ غريب بما فعل، ظناً منه أنه خدع الجميع.
مرت أيامٌ طويلة ولم ينتبه جحا إلى ما فعله جاره، فظن الطماع أن أمره قد استتر. وبكل ثقة، قام بزراعة أشجار فاكهة في تلك القطعة التي سرقها من أرض جحا.
ومع مرور الوقت نمت الأشجار، فأراد الطماع أن يضع لها "مسائد" خشبية لتمتد عليها الثمار، فأحضر سلماً خشبياً طويلاً وتسلّقه ليبدأ العمل.
بينما كان الطماع واقفاً فوق السلم، بدأ ينظر بزهوٍ وفخر إلى الثمار الجديدة، ويحدث نفسه قائلاً: "ما أبدع هذه الثمار! إنها أجمل من كل الثمار في المزارع المجاورة".
وشعر بالانتصار لأنه ظن أن مساحة أرضه تساوت الآن مع مساحة أرض جحا.
وقال في نفسه: "الآن أستطيع إثبات ملكيتي لهذه الأرض بوجود هذه الأشجار وبكومة الحجارة التي وضعتها كحدٍ جديد، إني سعيدٌ جداً..".
ولكن، ما كاد يُتم كلماته حتى اهتز به السلم فجأة وسقط بقوة، فوقع الطماع على ظهره فوق الحجارة القاسية التي نقلها بيده.
تحطمت أضلاعه وسال دمه، وبدأ يصرخ ويئن من شدة الألم. في تلك اللحظة، كان جحا يدخل مَزرعته لأول مرة منذ فترة طويلة، فسمع صراخ جاره وعرف صوته، فأسرع إليه لنجدته.
لم يفكر جحا في شيء إلا في إنقاذ جاره، فقام بنقله إلى بيته واعتنى به وحاول تضميد جروحه وتخفيف آلامه.
عندما شُفي الجار الطماع واستعاد صحته، شعر بخجلٍ شديد من كرم جحا ونبله، فقرر الاعتراف بجريمته.
ذهب إلى جحا وقال له الحقيقة، فابتسم جحا وقال له بحكمة: "أظننتني تركتُ أرضي بلا حراسة؟ أو تظن أن الحارس لم يرك وأنت تسرق الأرض؟".
اندهش الطماع وسأل: "من هذا الذي رآني؟". فأجابه جحا بكل وقار: "إنه الله، الذي يعلم السر وأخفى، يراك أيها الغبي أينما كنت ويكشف أمرك".
في اليوم التالي، قام الجار بنقل الحجارة إلى مكانها الأصلي وهو يقول: "الآن فقط انقشعت الغشاوة عن عيني، وأحمد الله أني نلت جزائي في الدنيا، ورددتُ كل شيء إلى وضعه الصحيح".
وهكذا تعلم الجار أن الطمع لا يجلب إلا الألم، وأن عين الله لا تنام أبداً.