جحا وثروة من ذهب
شاعَ فِي المَدِينَةِ أَنَّ الحَاكِمَ رَجُلٌ طَمَّاعٌ، يُحِبُّ جَمْعَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ وَيَسْعَى لِامْتِلَاكِهَا بِكُلِّ طَرِيقَةٍ. وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى الحَاكِمِ، وَعَرَفَ أَنَّ جُحَا هُوَ مَنْ أَطْلَقَ هَذِهِ الإِشَاعَةَ بَيْنَ النَّاسِ، فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا وَتَوَعَّدَ جُحَا بِالانْتِقَامِ الشَّدِيدِ. جَلَسَ جُحَا فِي مَنْزِلِهِ مَهْمُومًا يُفَكِّرُ فِي طَرِيقَةٍ ذَكِيَّةٍ لِلْخُرُوجِ مِنَ المَأْزِقِ الَّذِي وَضَعَ نَفْسَهُ فِيهِ، وَبَعْدَ طُولِ تَفْكِيرٍ، لَمَعَتْ فِي رَأْسِهِ حِيلَةٌ بَارِعَةٌ، فَنَهَضَ مُسْرِعًا وَتَوَجَّهَ إِلَى قَصْرِ الحَاكِمِ. عِنْدَمَا دَخَلَ جُحَا، انْحَنَى أَمَامَ الحَاكِمِ بِكُلِّ أَدَبٍ وَقَدَّمَ لَهُ فُرُوضَ الْوَلَاءِ وَالطَّاعَةِ. نَظَرَ إِلَيْهِ الحَاكِمُ بِشَزَرٍ، فَقَالَ جُحَا بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ: "يَا سَيِّدِي، كُنْتُ أَوَدُّ المَجِيءَ إِلَيْكَ مُبَكِّرًا لِأَنَالَ عِقَابِي، لَكِنَّنِي كُنْتُ مَشْغُولًا جِدًّا بِتَدْبِيرِ أَمْرِ عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ حَصَلْتُ عَلَيْهَا صُدْفَةً!".
بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ ذِكْرِ الذَّهَبِ، اخْتَفَى غَضَبُ الحَاكِمِ وَحَلَّ مَحَلَّهُ الفُضُولُ، فَسَأَلَ جُحَا بِلَهْفَةٍ: "وَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الأَمْوَالُ الطَّائِلَةُ؟". رَدَّ جُحَا بِمَكْرٍ: "لَقَدْ وَجَدْتُهَا مَدْفُونَةً تَحْتَ الأَرْضِ يَا سَيِّدِي!". انْبَهَرَ الحَاكِمُ وَقَالَ: "يَا لَهَا مِنْ ثَرْوَةٍ عَظِيمَةٍ! وَمَاذَا سَتَفْعَلُ بِكُلِّ هَذَا المَالِ؟". بَدَأَ جُحَا يَعْرِضُ خُطَّتَهُ قَائِلًا: "سَأَشْتَرِي أَرْضًا بِمِائَتَيْ دِينَارٍ، ثُمَّ أَبْنِي عَلَيْهَا قَصْرًا فَخْمًا بِي ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَجْلِبُ لَهُ أَثَاثًا رَائِعًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، كَمَا سَأُخَصِّصُ مِائَةَ دِينَارٍ لِلْخَدَمِ وَالحَاشِيَةِ".
سَالَ لُعَابُ الحَاكِمِ طَمَعًا، وَسَأَلَ بَاحِثًا عَنْ نَصِيبِهِ: "وَمَاذَا عَنِ البَاقِي؟". أَجَابَ جُحَا: "سَأُوَزِّعُ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى الفُقَرَاءِ، أَمَّا أَنْتَ يَا سَيِّدِي، فَلَكَ أَلْفُ دِينَارٍ ذَهَبًا هَدِيَّةً مِنِّي تَقْدِيرًا لِحُسْنِ تَدْبِيرِكَ لِشُؤُونِ المَدِينَةِ". غَمَرَتِ الفَرْحَةُ قَلْبَ الحَاكِمِ وَصَاحَ: "أَنَا؟! إِنَّنِي مُمْتَنٌ لَكَ جِدًّا يَا جُحَا!". وَمِنْ شِدَّةِ سُرُورِهِ، دَعَا جُحَا لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ مَعَهُ، وَأَمَرَ بِتَهْيِئَةِ مَائِدَةٍ عَامِرَةٍ، حَتَّى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ جُحَا أَنْ يَعْتَبِرَ القَصْرَ مِثْلَ بَيْتِهِ. امْتَلَأَ القَصْرُ بِالضَّحِكَاتِ وَنَوَادِرِ جُحَا الطَّرِيفَةِ وَسَادَ جَوٌّ مِنَ البَهْجَةِ.
بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الأَكْلِ، أَرَادَ الحَاكِمُ الاطْمِئْنَانَ عَلَى كَنْزِهِ المَوْعُودِ، فَسَأَلَ: "هَلْ وَضَعْتَ الذَّهَبَ فِي مَكَانٍ آمِنٍ يَا جُحَا؟". هُنَا نَظَرَ إِلَيْهِ جُحَا وَقَالَ بِبَسَاطَةٍ: "بَيْنَمَا كُنْتُ مُنْشَغِلًا بِتَوْزِيعِ الذَّهَبِ وَتَقْسِيمِهِ، أَيْقَظَتْنِي زَوْجَتِي مِنَ النَّوْمِ، فَلَمْ أَجِدْ فِي يَدِي شَيْئًا مِمَّا كُنْتُ أَحْلُمُ بِهِ!". صُدِمَ الحَاكِمُ وَسَأَلَ بِفَزَعٍ: "هَلْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ حُلُمًا؟!". أَجَابَ جُحَا بِهُدُوءٍ: "نَعَمْ يَا سَيِّدِي". شَعَرَ الحَاكِمُ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ كَبِيرَةٍ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا انْفَجَرَ ضَاحِكًا بَعْدَمَا أَدْرَكَ ذَكَاءَ جُحَا وَقَالَ: "لَقَدِ احْتَلْتَ عَلَيَّ بِبَرَاعَةٍ لِتَهْرُبَ مِنَ العِقَابِ! لَقَدْ زَالَ غَضَبِي عَنْكَ تَمَامًا، وَأَعِدُكَ أَلَّا أَغْضَبَ مِنْكَ مَرَّةً أُخْرَى".