كَرِيم وَالمَكْتَبَةِ العَجِيبَةِ
كَانَ كَرِيمٌ طِفْلاً شَغُوفاً، يَعْتَبِرُ الكِتَابَ صَدِيقَهُ الوَفِيَّ الَّذِي لَا يَمَلُّ مِنْ صُحْبَتِهِ.
في كُلِّ مَسَاءٍ، يَفْتَحُ كَرِيمٌ كِتَاباً جَدِيداً، فَيَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ يَرْكَبُ بِسَاطاً سِحْرِيّاً يَنْقُلُهُ بَيْنَ البُلْدَانِ.
زَارَ كَرِيمٌ مَكْتَبَةَ المَدْرَسَةِ، فَانْدَهَشَ مِنْ كَثْرَةِ الرُّفُوفِ المَلِيئَةِ بِالقِصَصِ وَالمَعْلُومَاتِ.
تَعَلَّمَ الصَّغِيرُ أَنَّ القِرَاءَةَ تُنِيرُ العَقْلَ، وَتَجْعَلُ صَاحِبَهَا أَكْثَرَ ذَكَاءً وَحِكْمَةً وَثَقَافَةً.
كَانَ يَقْرَأُ عَنْ مَخْلُوقَاتِ البَحْرِ، فَيَغُوصُ في أَعْمَاقِ المُحِيطَاتِ دُونَ أَنْ يُبَلِّلَ مَلَابِسَهُ.
وَيَقْرَأُ عَنْ عُلَمَاءِ الفَضَاءِ، فَيُسَافِرُ بَيْنَ الكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ وَهُوَ جَالِسٌ في غُرْفَتِهِ.
كَانَتِ القِرَاءَةُ تُسَاعِدُ كَرِيماً في تَعَلُّمِ كَلِمَاتٍ جَدِيدَةٍ، فَأَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ فَصِيحَةٍ وَجَمِيلَةٍ.
إِذَا شَعَرَ بِالحُزْنِ، لَجَأَ إِلَى قِصَصِ المَغَامَرَاتِ المُرِحَةِ الَّتِي تَرْسُمُ البَسْمَةَ عَلَى وَجْهِهِ.
كَانَ يَحْرِصُ عَلَى نَظَافَةِ كُتُبِهِ، فَلَا يَطْوِي صَفَحَاتِهَا وَلَا يَرْسُمُ عَلَيْهَا، بَلْ يَحْفَظُهَا بِعِنَايَةٍ.
شَجَّعَ كَرِيمٌ أَصْدِقَاءَهُ عَلَى القِرَاءَةِ، وَقَرَّرُوا تَأْسِيسَ نَادٍ صَغِيرٍ لِتَبَادُلِ الكُتُبِ المُفِيدَةِ.
كَانَتِ الأُمُّ تَفْرَحُ بِيَاسِيرٍ وَهُوَ يَقْرَأُ، فَتُهْدِيهِ في كُلِّ عِيدٍ كِتَاباً مُلَوَّناً يَزِيدُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ.
تَعَلَّمَ كَرِيمٌ أَنَّ أُمَّةً تَقْرَأُ هِيَ أُمَّةٌ تَتَقَدَّمُ وَتَصْنَعُ المُسْتَقْبَلَ المُشْرِقَ لِأَبْنَائِهَا.
صَارَ الكِتَابُ في يَدِ كَرِيمٍ مِصْبَاحاً يُضِيءُ لَهُ دُرُوبَ العِلْمِ وَيُوَسِّعُ خَيَالَهُ الوَاسِعَ.
لَمْ يَعُدْ كَرِيمٌ يَشْعُرُ بِالوَحْدَةِ أَبَداً، فَكُلُّ كِتَابٍ يَفْتَحُهُ هُوَ صَدِيقٌ جَدِيدٌ يُحَدِّثُهُ.
مَا أَجْمَلَ القِرَاءَةَ! فَهِيَ رِحْلَةٌ لَا تَنْتَهِي، وَمُغَامَرَةٌ تَبْدَأُ مَعَ كُلِّ صَفْحَةٍ نَقْلِبُهَا.