جَنَّاتُ وَزِيَارَةُ الطَّبِيبِ
كَانَتِ الأَمْطَارُ تَهْطِلُ بِغَزَارَةٍ عَلَى مَدِينَةِ بَنْسلِيمَانَ الجَمِيلَةِ، وَالرِّيَاحُ تَصْفِرُ بَيْنَ أَشْجَارِ غَابَةِ "عَيْنِ الدَّاخِلَةِ" القَرِيبَةِ، بَيْنَمَا ارْتَجَفَتِ العَصَافِيرُ الصَّغِيرَةُ فَوْقَ الأَغْصَانِ المُبَلَّلَةِ. لَمْ تَكُنْ جَنَّاتُ تَهْتَمُّ لِكُلِّ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَتْ تَعْشَقُ الجَرْيَ تَحْتَ حَبَّاتِ المَطَرِ مَعَ كَلْبِهَا الوَفِيِّ "رُوكِي"، وَقِطَّتِهَا الرَّقِيقَةِ "مُشْمِش". لَكِنَّهَا ارْتَكَبَتْ خَطَأً كَبِيرًا عِنْدَمَا لَمْ تَرْتَدِ المَلَابِسَ الثَّقِيلَةَ كَمَا طَلَبَتْ مِنْهَا أُمُّهَا المَغْرِبِيَّةُ الحَنُونُ. كَانَتْ جَنَّاتُ مُتَهَوِّرَةً بَعْضَ الشَّيْءِ، وَهَكَذَا أُصِيبَتْ بِالبَرْدِ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ.
كَانَتِ الأُمُّ تَنْصَحُهَا دَائِمًا بِلَهْجَةٍ مِلْؤُهَا الخَوْفُ: «انْتَعِلِي حِذَاءَكِ المَطَرِيَّ، وَارْتَدِي مِعْطَفَكِ قَبْلَ الخُرُوجِ لِلَّعِبِ!». وَلَكِنَّ جَنَّاتُ، فِي غَمْرَةِ حَمَاسِهَا، نَسِيَتْ تِلْكَ النَّصَائِحَ الغَالِيَةَ. وَعِنْدَمَا عَادَتْ إِلَى المَنْزِلِ، كَانَتْ تَرْتَجِفُ وَمَلَابِسُهَا مُبَلَّلَةً بِالكَامِلِ بِمِيَاهِ الأَمْطَارِ. سَارَعَتِ الأُمُّ بِنَزْعِ حِذَائِهَا وَجَوَارِبِهَا، وَقَامَتْ بِتَجْفِيفِ مَلَابِسِهَا وَتَدْلِيكِهَا لِتَشْعُرَ بِالدِّفْءِ، وَهِيَ تَقُولُ بِقَلَقٍ: «أَخْشَى يَا جَنَّاتُ أَنْ تَكُونِي مَرِيضَةً غَدًا!».
لَمْ تُخْطِئِ الأُمُّ فِي تَوَقُّعِهَا، فَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي، لَمْ تَكُنْ جَنَّاتُ عَلَى مَا يُرَامُ. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، جَاءَ أَصْدِقَاؤُهَا يَطْرُقُونَ البَابَ لِيَدْعُوهَا لِلَّعِبِ فِي سَاحَةِ الحَيِّ، لَكِنَّ جَنَّاتُ نَظَرَتْ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّافِذَةِ وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ: «أَشْعُرُ بِأَلَمٍ فِي حَلْقِي، لَا أَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ». شَعَرَ رِفَاقُهَا بِالحُزْنِ وَوَعَدُوهَا بِالعَوْدَةِ فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ.
اشْتَدَّ السُّعَالُ عَلَى جَنَّاتُ، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَتُهَا، مِمَّا جَعَلَهَا عَاجِزَةً عَنْ مُغَادَرَةِ سَرِيرِهَا. كَانَتْ تَتَمَنَّى الذَّهَابَ إِلَى مَدْرَسَتِهَا فِي قَلْبِ بَنْسلِيمَانَ لِتَدْرُسَ وَتَجْرِيَ كَبَقِيَّةِ الأَطْفَالِ، لَكِنَّ المَرَضَ حَرَمَهَا مِنْ ذَلِكَ. قَالَتِ الأُمُّ: «سَأَتَّصِلُ بِالطَّبِيبِ فَوْرًا». وَبَيْنَمَا هِيَ تَنْتَظِرُ، غَطَّتْ جَنَّاتُ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، وَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا حُلْمًا غَرِيبًا، حَيْثُ دَعَاهَا رَجُلٌ مَصْنُوعٌ مِنْ قَطَرَاتِ المَطَرِ لِلرَّقْصِ عَلَى أَنْغَامِ خَرِيرِ المِيَاهِ السَّاحِرَةِ.
فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، دَخَلَ الكَلْبُ "رُوكِي" وَالقِطَّةُ "مُشْمِش" إِلَى الغُرْفَةِ بِهُدُوءٍ، وَتَبِعَتْهُمَا أُخْتُهَا الصُّغْرَى "جُمَانَةُ" وَهِيَ تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا. هَمَسَتْ جُمَانَةُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى قِطَّتِهَا: «انْظُرِي يَا مُشْمِش، إِنَّ جَنَّاتُ تَهْذِي فِي حُلْمِهَا، يَبْدُو أَنَّهَا مَرِيضَةٌ حَقًّا». أَمَّا "رُوكِي" فَقَدْ جَلَسَ عِنْدَ قَدَمَيِ السَّرِيرِ وَنَبَحَ نَبْحَةً خَفِيفَةً كَأَنَّهُ يَقُولُ: «اسْتَيْقِظِي يَا صَدِيقَتِي!». وَصَلَ الطَّبِيبُ "أَحْمَدُ"، وَهُوَ طَبِيبُ العَائِلَةِ المَعْرُوفُ فِي المَدِينَةِ، وَقَامَ بِفَحْصِ حَلْقِهَا وَسَمَاعِ دَقَّاتِ قَلْبِهَا. قَالَ لَهَا بِلُطْفٍ: «لَقَدْ أُصِبْتِ بِالْتِهَابٍ فِي الشُّعَبِ الهَوَائِيَّةِ بِسَبَبِ بَرْدِ المَطَرِ، سَأَكْتُبُ لَكِ بَعْضَ الأَدْوِيَةِ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونِي صَبُورَةً لِتَشْفِيَ سَرِيعًا».
ذَهَبَ عَمُّهَا "جِهَادُ" إِلَى الصَّيْدَلِيَّةِ القَرِيبَةِ لِإِحْضَارِ الدَّوَاءِ، وَسَاعَدَتْهَا الأُمُّ فِي تَنَاوُلِهِ. كَانَتْ جَنَّاتُ تَسْأَلُ بِفُضُولٍ عَنْ فَائِدَةِ كُلِّ دَوَاءٍ، وَمَتَى سَتَتَعَافَى. كَانَ الجَدُّ "مُحَمَّدٌ" يَقِفُ عِنْدَ البَابِ لِيَطْمَئِنَّ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَمْسَحُ رَأْسَ "جُمَانَةَ" الصَّرِيرَةِ، مَانِعًا "رُوكِي" وَ"مُشْمِش" مِنَ الدُّخُولِ لِتَنْعَمَ جَنَّاتُ بِالرَّاحَةِ التَّامَّةِ، فَالنَّوْمُ هُوَ خَيْرُ عِلَاجٍ.
بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الرَّاحَةِ وَتَنَاوُلِ "الحَرِيرَةِ" المَغْرِبِيَّةِ الدَّافِئَةِ الَّتِي أَعَدَّتْهَا أُمُّهَا، بَدَأَتِ الحَرَارَةُ تَنْخَفِضُ. جَلَسَ الجَدُّ مُحَمَّدٌ بِجَانِبِهَا يَقُصُّ عَلَيْهَا قِصَصًا مِنْ تُرَاثِ بَنْسُلِيمَانَ القَدِيمِ. وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ كَامِلٍ، تَحَسَّنَتْ حَالَتُهَا كَثِيرًا، فَبَدَأَتْ تَقْرَأُ وَتَرْسُمُ العَصَافِيرَ وَالأَشْجَارَ. زَارَهَا أَصْدِقَاؤُهَا وَأَحْضَرُوا لَهَا بَعْضَ الحَلْوَى وَالكُتُبِ لِتُسَلِّيَ وَقْتَهَا. كَمَا وَصَلَتْهَا رِسَالَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْ جَدَّتِهَا "نَعِيمَةَ" تَدْعُوهَا فِيهَا لِقَضَاءِ أَيَّامٍ فِي ضَيْعَتِهِمُ الخَضْرَاءِ بِمُجَرَّدِ شِفَائِهَا.
فِي يَوْمِ الأَحَدِ، جَلَسَتْ جَنَّاتُ مَعَ وَالِدِهَا وَأُخْتِهَا "جُمَانَةَ" لِمُشَاهَدَةِ بَرَامِجِ الأَطْفَالِ، بَيْنَمَا كَانَ "رُوكِي" يَنْبَحُ مُتَحَمِّسًا لِلرُّسُومِ المُتَحَرِّكَةِ وَ"مُشْمِش" تَتَمَسَّحُ بِأَرْجُلِهِمْ. كَانَ الوَقْتُ يَمُرُّ بَبُطْءٍ، وَجَنَّاتُ تَتَمَنَّى الخُرُوجَ إِلَى الطَّبِيعَةِ الخَلَّابَةِ. نَظَرَتْ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى قَوْسِ قُزَحٍ بَدِيعٍ ظَهَرَ فِي سَمَاءِ بَنْسُلِيمَانَ بَعْدَ تَوَقُّفِ المَطَرِ، وَكَأَنَّهُ يُبَشِّرُهَا بِزَوَالِ المَرَضِ.
أَخِيرًا، زَارَهَا الطَّبِيبُ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا تَعَافَتْ تَمَامًا. طَارَتْ جَنَّاتُ مِنَ الفَرَحِ، وَبَدَأَتْ تُجَهِّزُ ثِيَابَهَا لِلْخُرُوجِ. وَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي، أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ الدَّافِئَةُ، وَجَاءَتِ الجَدَّةُ "نَعِيمَةُ" لِتَأْخُذَهَا فِي رِحْلَةٍ إِلَى الرِّيفِ. عَانَقَتْ جَنَّاتُ أُخْتَهَا جُمَانَةَ وَأُمَّهَا بِحَرَارَةٍ، وَانْطَلَقَتْ وَهِيَ تَشْعُرُ بِالرَّشَاقَةِ، مُدْرِكَةً أَنَّ الصِّحَّةَ نِعْمَةٌ كَبِيرَةٌ يَجِبُ الحِفَاظُ عَلَيْهَا.