مَزْرَعَةُ العِنَبِ
فِي إِحْدَى القُرَى الجَمِيلَةِ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ بَخِيلٌ يَمْلِكُ حَقْلًا كَبِيرًا مِنَ الكَرْمِ. كَانَ هَذَا الحَقْلُ مَلِيئًا بِعَنَاقِيدِ العِنَبِ النَّاضِجَةِ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ بُخْلِ صَاحِبِهِ الشَّدِيدِ، لَمْ يَذُقْ أَحَدٌ طَعْمَ ذَلِكَ العِنَبِ قَطُّ. لَمْ يَجْرُؤْ بَشَرٌ، وَلَا حَتَّى الطُّيُورُ أَوِ الحَيَوَانَاتُ، عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنْ ذَلِكَ الكَرْمِ. وَعِنْدَمَا حَلَّ فَصْلُ الصَّيْفِ الدَّافِئُ، وَأَيْنَعَتْ عَنَاقِيدُ العِنَبِ وَصَارَتْ تَلْمَعُ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، فَرِحَتِ الطُّيُورُ كَثِيرًا، وَخَاصَّةً الغِرْبَانُ الَّتِي تُحِبُّ الفَوَاكِهَ اللَّذِيذَةَ وَبِالأَخَصِّ العِنَبَ.
تَوَجَّهَتْ أَسْرَابُ الطُّيُورِ وَالغِرْبَانِ نَحْوَ حَقْلِ الكَرْمِ بِحَمَاسٍ، وَلَكِنْ مَا إِنِ اقْتَرَبَتْ مِنْهُ حَتَّى تَوَقَّفَتْ مَذْعُورَةً؛ فَقَدْ رَأَتْ رَجُلًا غَرِيبًا يَقِفُ فِي وَسَطِ الحَقْلِ. صَاحَ غُرَابٌ مُحَذِّرًا بَقِيَّةَ السِّرْبِ: "غَاقَ.. غَاقَ!! إِنَّهُ رَجُلٌ يَقِفُ وَسَطَ المَزْرَعَةِ وَيَحْمِلُ بُنْدُقِيَّةً!". وَأَكْمَلَ غُرَابٌ آخَرُ بِخَوْفٍ: "احْذَرُوا، سَوْفَ يُطْلِقُ عَلَيْنَا النَّارَ!"، بَيْنَمَا نَادَى غُرَابٌ ثَالِثٌ: "لَا تُعَرِّضُوا أَنْفُسَكُمْ لِلْخَطَرِ!". وَهَكَذَا، خَافَتِ الطُّيُورُ كُلُّهَا وَهَرَبَتِ الغِرْبَانُ بَعِيدًا.
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، اسْتَيْقَظَتِ الغِرْبَانُ مُبَكِّرًا كَعَادَتِهَا وَطَارَتْ مُجَدَّدًا نَحْوَ الحَقْلِ، وَقَالَ بَعْضُهَا: "هَيَّا نُسْرِعُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ حَارِسُ الحَقْلِ". وَلَكِنْ لِلْمُفَاجَئَةِ، وَجَدُوا الرَّجُلَ مَا زَالَ وَاقِفًا فِي نَفْسِ مَكَانِهِ، لَمْ يَتَحَرَّكْ شِبْرًا وَاحِدًا، فَرَدَّهُمُ الخَوْفُ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مَرَّةً أُخْرَى. مَرَّتْ أَيَّامٌ عَدِيدَةٌ، وَفِي كُلِّ صَبَاحٍ كَانَتِ الغِرْبَانُ تَقْصِدُ الكَرْمَ لِتَجِدَ الرَّجُلَ وَاقِفًا كَالتَّمْثَالِ بِلَا حَرَاكٍ.
ظَلَّتِ الغِرْبَانُ تُرَاقِبُ المَزْرَعَةَ عَنْ بُعْدٍ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَلَاحَظَتْ أَنَّ هَذَا الحَارِسَ لَا يَتَحَرَّكُ أَبَدًا. هُنَا، قَالَ غُرَابٌ ذَكِيٌّ بَيْنَهُمْ: "إِنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ مُطْلَقًا، لَا أَظُنُّ أَنَّهُ رَجُلٌ حَقِيقِيٌّ". تَقَدَّمَ غُرَابٌ جَرِيءٌ وَقَالَ: "سَأَكْشِفُ أَمْرَهُ"، ثُمَّ طَارَ بِحَذَرٍ وَحَطَّ قَرِيبًا جِدًّا مِنْهُ. حِينَهَا ضَحِكَ الغُرَابُ فِي نَفْسِهِ لَمَّا اكْتَشَفَ الحَقِيقَةَ؛ فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مُجَرَّدَ كُومَةٍ مِنَ القَشِّ. حَطَّ الغُرَابُ عَلَى قُبْعَةِ الرَّجُلِ وَخَاطَبَهُ سَاخِرًا: "أَيُّهَا الحَارِسُ، لِمَاذَا لَا تُطْلِقُ النَّارَ؟!".
عِنْدَمَا شَاهَدَتِ الغِرْبَانُ ذَلِكَ، بَدَأَتْ تَصِيحُ بِفَرَحٍ: "عَاق.. عَاق.. إِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ قِشٍّ، إِنَّهُ مُجَرَّدُ فَزَّاعَةٍ!". هَجَمَتِ الغِرْبَانُ عَلَى الفَزَّاعَةِ وَرَاحَتْ تَنْقُرُهَا حَتَّى سَقَطَتْ قُبْعَتُهَا ثُمَّ سَقَطَ رَجُلُ القَشِّ كُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ. صَاحَ أَحَدُهُمْ: "لَقَدِ انْشَغَلْنَا بِرَجُلِ القَشِّ وَنَسِينَا العِنَبَ، هَيَّا إِلَى العَنَاقِيدِ اللَّذِيذَةِ!". وَبَدَأَتِ الغِرْبَانُ تَلْتَهِمُ حَبَّاتِ العِنَبِ بِشَرَاهَةٍ كَبِيرَةٍ وَهِيَ تَقُولُ: "مَا أَلَذَّ العِنَبَ وَمَا أَشْهَاهُ!".
فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كَانَ الرَّجُلُ البَخِيلُ نَائِمًا فِي كُوخِهِ، فَاسْتَيْقَظَ مَذْعُورًا عَلَى صَوْتِ نَعِيقِ الغِرْبَانِ العَالِي. خَرَجَ لِيَرَى مَا يَحْدُثُ، فَصُدِمَ عِنْدَمَا شَاهَدَ عَشَرَاتِ الغِرْبَانِ تَعْبَثُ فِي مَزْرَعَتِهِ. تَنَاوَلَ غُصْنًا يَابِسًا وَرَكَضَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الحَقْلِ. لَمَحَهُ غُرَابٌ فَصَاحَ مُحَذِّرًا: "غَاقْ.. احْذَرُوا، إِنَّهُ رَجُلٌ يَرْكُضُ نَحْوَنَا!". فَقَالَ غُرَابٌ آخَرُ بَعْدَمَا تَعَوَّدَ عَلَى رُؤْيَةِ الفَزَّاعَةِ: "لَعَلَّهُ رَجُلٌ مِنْ قِشٍّ أَيْضًا!". لَكِنَّ غُرَابًا ثَالِثًا رَدَّ عَلَيْهِ: "رَجُلُ القَشِّ لَا يَسْتَطِيعُ الرَّكْضَ، اهْرُبُوا.. إِنَّهُ يَقْتَرِبُ!". وَبِالفِعْلِ، طَارَتِ الغِرْبَانُ وَفَرَّتْ بَعِيدًا.
وَصَلَ الرَّجُلُ البَخِيلُ إِلَى المَزْرَعَةِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ؛ فَقَدْ أَكَلَتِ الغِرْبَانُ العِنَبَ وَأَتْلَفَتِ المَحْصُولَ. نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى كُرُومِهِ المُحَطَّمَةِ وَشَعَرَ بِحُزْنٍ شَدِيدٍ وَنَدَمٍ كَبِيرٍ؛ لِأَنَّهُ حَرَمَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ مِنْ خَيْرَاتِ هَذَا الحَقْلِ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ ضَيَاعَ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذَا يَا صِغَارِي هُوَ جَزَاءُ البُخَلَاءِ؛ فَهُمْ يَحْرِمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنَ التَّمَتُّعِ بِنِعَمِ اللهِ، فَتَكُونُ نِهَايَةُ تِلْكَ النِّعَمِ هِيَ الزَّوَالُ