سُلْحوفَة وَأَرْنوب 01 الفَوْزُ الزَّائِفُ

سُلْحوفَةَ وَأَرْنوب 01 الفَوْزُ الزَّائِفُ

سُلْحوفَةَ وَأَرْنوب 01 الفَوْزُ الزَّائِفُ

ذاتَ صَباحٍ مُشْرِقٍ، صَحَتِ الغابَةُ عَلى صَوْتِ العَصافيرِ، لِيَرَى أَهْلُها إِعْلاناتٍ مُلَوَّنَةً مُعَلَّقَةً عَلى جُذوعِ الأَشْجارِ، مَكْتوبٌ عَلَيْها بِخَطٍّ واضِحٍ: "شاهِدوا السِّباقَ الكَبيرَ بَيْنَ السُّلَحْفاةِ سُلْحوفَةَ وَالأَرْنَبِ أَرْنوب، يُقامُ يَوْمَ الثُّلاثاءِ المُقْبِلِ في تَمامِ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ"

تَوَقَّفَ الجَميعُ عِنْدَ هَذا الإِعْلانِ المُثيرِ؛ فَبَعْضُهُمْ وَقَفوا مُنْدَهِشينَ، وَآخَرونَ لَمْ يَتَمَلَّكوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الضَّحِكِ سُخْرِيَةً مِنَ الفَرْقِ في السُّرْعَةِ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ.

وفي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ، وَعَلى جانِبَيِ الطَّريقِ الطَّويلِ في السَّاحَةِ الرِّياضِيَّةِ، تَجَمَّعَتْ كُلُّ حَيَواناتِ الغابَةِ بِحَماسٍ شَدِيدٍ، وَلَمْ يَتَأَخَّرْ عَنِ الحُضورِ إِلَّا مَنْ كانَ لَدَيْهِ عَمَلٌ ضَرورِيٌّ لا يُمْكِنُ تَأْجيلُهُ. كانَ المَشْهَدُ رائِعاً، حَيْثُ اصْطَفَّتْ أَرانِبُ كَثيرَةٌ وَسَلاحِفُ عَدِيدَةٌ لِتَشْجيعِ مُتَسابِقيهِمْ. عِنْدَ خَطِّ البِدايَةِ، وَقَفَتِ الحَيَواناتُ المُشْرِفَةُ عَلى السِّباقِ بِجَانِبِ بَعْضِ المُشَجِّعينَ، بَيْنَما وَقَفَ أَرْنوب وَسُلْحوفَةُ في حالَةٍ مِنَ التَّحَفُّزِ وَالتَّرَقُّبِ انْتِظاراً لِإِشارَةِ البَدْءِ. وفَوْرَ حُلولِ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ مَساءً، دَوَّتْ طَلْقَةُ البِدايَةِ التي أَطْلَقَها الدُّبُّ القَوِيُّ لِتُعْلِنَ انْطِلاقَ التَّحَدِّي.

انْطَلَقَ أَرْنوب كَالسَّهْمِ بِسُرْعَةٍ فائِقَةٍ، بَيْنَما بَدَأَتْ سُلْحوفَةُ تَزْحَفُ بِهُدوءٍ وَصَبْرٍ. تَعالَتْ هُتافاتُ الأَرانِبِ فَرَحاً بِتَقَدُّمِ صَدِيقِهِمْ، في حينِ ظَهَرَ الأَسَفُ وَالحُزْنُ عَلى وُجوهِ السَّلاحِفِ، وَكانَتْ بَقِيَّةُ الحَيَواناتِ تَتَبادَلُ النَّظَراتِ الباسِمَةَ وَالضَّاحِكَةَ تَعَجُّباً مِن هَذا السِّباقِ الغَريبِ. كانَ طَريقُ السِّباقِ طَوِيلاً جِدّاً، وَأَرْنوب يَتَقَدَّمُ بِخُطواتٍ واسِعَةٍ مُبْتَعِداً عَنْ سُلْحوفَةَ التي كانَتْ تَسيرُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ وَلَمْ تَبْتَعِدْ كَثِيراً عَنْ خَطِّ البِدايَةِ، حَتَّى بَدَا أَنَّ أَرْنوب لَنْ يَمْنَحَها أَيَّ فُرْصَةٍ لِلَّحاقِ بِهِ.

عِنْدَ مُنْتَصَفِ الطَّريقِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ أَحَدٌ مِنَ المُشاهدينَ، وَجَدَ أَرْنوب نَفْسَهُ أَمامَ شَجَرَةٍ ظَليلَةٍ وارفَةِ الأَغْصانِ تَقَعُ عَلى مُروجٍ خَضْراءَ جَميلةٍ وبِجوارِها بُحَيْرَةُ ماءٍ صافِيَةٍ. غَرَّهُ تَقَدُّمُهُ الكَبيرُ، فَأَكَلَ هَنِيئاً وَشَرِبَ مَرِيئاً، ثُمَّ اسْتَسْلَمَ لِلرَّاحَةِ فَرَقَدَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَغَرِقَ في نَوْمٍ عَميقٍ. بَعْدَ مُدَّةٍ، وَصَلَتْ سُلْحوفَةُ إِلى مَكانِ الشَّجَرَةِ، لِتَجِدَ أَرْنوب يُطْلِقُ شَخِيراً عالِياً، فَلَمْ تَتَمَالَكْ نَفْسَها وَبَدَأَتْ تَضْحَكُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ "هاهاها".

فَجْأَةً، اسْتَيْقَظَ أَرْنوب مِن نَوْمِهِ، وَنَظَرَ إِلى سَاعَتِهِ بِذُعْرٍ، ثُمَّ قامَ يَجْري بِأَقْصى سُرْعَتِهِ مُواصِلاً طَريقَ السِّباقِ. وفي تِلْكَ الأَثْناءِ، كانَتْ سُلْحوفَةُ قَدْ وَصَلَتْ إِلى مَكانِ أَرْنوب السَّابِقِ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، حَيْثُ أَكَلَتْ وَشَرِبَتْ ثُمَّ نامَتْ وَهِيَ مُطْمَئِنَّةٌ تَماماً لِلْفَوْزِ. وَبَيْنَما كانَ الحُكَّامُ يَنْتَظِرونَ عِنْدَ خَطِّ النِّهايَةِ حَيْثُ عُلِّقَتْ لافِتَةٌ كَبيرَةٌ، فُوجِئوا بِظُهورِ سُلْحوفَةَ وَهِيَ تَقْتَرِبُ مِنَ الخَطِّ، فَتَلَقَّتِ التَّرْحيبَ الحارَّ وَالهُتافاتِ المَدَوِّيَةَ، ثُمَّ وَصَلَ أَرْنوب بَعْدَ ذَلِكَ مُتَأَخِّراً وَمَصْدُوماً.

أَعْلَنَ الحُكَّامُ فَوْزَ سُلْحوفَةَ في السِّباقِ، وَأَهْدَوْها كَأْساً ذَهَبِيَّةً وَزَيَّنوا عُنُقَها بِوِشاحٍ مُلَوَّنٍ جَميلٍ. تَوافَدَتِ السَّلاحِفُ مِن كُلِّ مَكانٍ لِلاحْتِفالِ بِهَذا النَّصْرِ، لَكِنَّهُ كانَ في الحَقيقَةِ نَصْراً مُزَيَّفاً حَقَّقَتْهُ سُلْحوفَةُ بِالحِيلَةِ عَلى مُنافِسِها. تَوَجَّهَ أَرْنوب مَعَ مَجْموعَةٍ مِنَ الأَرانِبِ نَحْوَ مَبْنَى "اتِّحادِ الرِّياضَةِ بِالغابَةِ"، حَيْثُ كانَ الدُّبُّ -رَئيسُ الاِتِّحادِ- يَنْتَظِرُهُمْ عِنْدَ البَوَّابَةِ.

اجْتَمَعَ الدُّبُّ بِأَرْنوب، الَّذي قَدَّمَ شَكْوى رَسْمِيَّةً ضِدَّ نَتيجةِ السِّباقِ، مُطالِباً بِالتَّحْقيقِ في هَذِهِ الخُدْعَةِ الكَبيرَةِ. سارَ الدُّبُّ مَعَ أَرْنوب وَرِفاقِهِ إِلى مَكانِ احْتِفالِ السَّلاحِفِ، وَسَأَلَ بِحَزْمٍ: "مَنْ فازَتْ في السِّباقِ؟". فَجْأَةً، ارْتَفَعَ صَوْتُ سُلَحْفاةٍ تَقولُ: "إِنَّهُ أَنا"، ثُمَّ صاحَتْ سُلَحْفاةٌ أُخْرى: "بَلْ هِيَ أَنا!".

وَضَعَ الدُّبُّ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ مُتَعَجِّباً وَسَأَلَ: "كَيْفَ يُمْكِنُ هَذا؟". عِنْدَها قالَ أَرْنوب: "هَلْ رَأَيْتَ الخُدْعَةَ؟! سُلَحْفاةٌ بَدَأَتِ السِّباقَ مَعي، وَأُخْرى وَقَفَتْ قُرْبَ خَطِّ النِّهايَةِ! نَعَمْ، لَقَدْ تَكاسَلْتُ وَنِمْتُ، لَكِنَّ هَذا التَّلاعُبَ لا يَجْعَلُ سُلْحوفَةَ تَفوزُ عَلَيَّ بِحَقٍّ". تَقَدَّمَ الدُّبُّ الغاضِبُ وَانْتَزَعَ الكَأْسَ وَنَزَعَ الوِشاحَ وَهُوَ يَصيحُ: "هَذا غِشٌّ وَخِداعٌ، وَهَذا سُلوكٌ لا يَليقُ بِالرِّياضِيِّينَ أَبَداً".

بَعْدَ انْتِهاءِ الأَزْمَةِ، خَرَجَ أَرْنوب مِن جُحْرِهِ لِيَجِدَ سُلْحوفَةَ في انْتِظارِهِ، وَكانَتْ قَدْ أَخْفَتْ رَأْسَها داخِلَ صَدَفَتِها خَجَلاً. سَأَلَها أَرْنوب: "أَيْنَ وَجْهُكِ؟"، فَأَجابَتْ بِصَوْتٍ خافِتٍ: "إِنَّني خَجِلَةٌ جِدّاً مِن نَفْسي بِسَبَبِ ما حَدَثَ في يَوْمِ السِّباقِ، هَلْ تَقْبَلُ أَنْ تُسامِحَني؟". نَصَحَها أَرْنوب قائِلاً: "فَكِّري في طَريقَةٍ لِلتَّكْفيرِ عَن غَلْطَتِكِ، فَرُبَّ فَوْزٍ تَكونُ الهَزيمَةُ أَشْرَفَ مِنْهُ". عِنْدَها أَخْرَجَتْ سُلْحوفَةُ رَأْسَها وَقالَتْ: "سامِحْني، لَنْ نَدْخُلَ في سِباقٍ بَعْدَ اليَوْمِ، بَلْ سَنَتَعاوَنُ مَعاً وَنُصْبِحُ أَوْفى الأَصْدِقاءِ".

سلحوفة وأرنوب

إرسال تعليق

أحدث أقدم