حَمْلُونُ وَفَيْضَانُ النَّهْرِ الكَبِير
بَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ حَمْلُونُ وَأُمُّهُ فِي بَيْتِهِمَا الصَّغِيرِ، وَعَادَا لِزِرَاعَةِ حَقْلِهِمَا عَلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ، مَرَّتْ أَيَّامٌ شَدِيدَةُ المَطَرِ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا المَرْجُ مِنْ قَبْلُ. كَانَ حَمْلُونُ يُرَاقِبُ مِيَاهَ النَّهْرِ الصَّافِيَةَ وَهِيَ تَتَحَوَّلُ إِلَى لَوْنٍ بُنِّيٍّ دَاكِنٍ وَتَرْتَفِعُ بَعِيداً عَنْ مَجْرَاهَا المَعْتَادِ.
قَالَتِ الأُمُّ بِقَلَقٍ: "يَا حَمْلُونُ، النَّهْرُ يَفِيضُ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ المَطَرُ فَقَدْ نَفْقِدُ مَحْصُولَنَا الَّذِي تَعِبْنَا فِيهِ". تَذَكَّرَ حَمْلُونُ رِحْلَتَهُ السَّابِقَةَ، وَكَيْفَ أَنَّ البَحْثَ عَنْ أَرْضٍ جَدِيدَةٍ لَيْسَ هُوَ الحَلَّ دَائِماً، بَلِ الحَلُّ فِي حِمَايَةِ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِي نُحِبُّهَا.
قَالَ حَمْلُونُ بِشَجَاعَةٍ: "لَنْ نَرْحَلَ هَذِهِ المَرَّةَ يَا أُمِّي، بَلْ سَنَبْنِي سَدّاً صَغِيراً مِنَ الأَحْجَارِ وَالأَغْصَانِ لِنَحْمِيَ الزَّرْعَ". بَدَأَ حَمْلُونُ يَنْقُلُ الأَحْجَارَ القَوِيَّةَ بِحَوَافِرِهِ الصَّغِيرَةِ، وَتَبِعَتْهُ أُمُّهُ بِنَقْلِ جُذُوعِ الأَشْجَارِ الثَّقِيلَةِ.
بَيْنَمَا كَانَا يَعْمَلَانِ، رَأَتْهُمَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الأَرَانِبِ الَّتِي تَسْكُنُ المَرْجَ، وَكَانَتْ خَائِفَةً مِنْ ضَيَاعِ جُحُورِهَا. صَاحَ حَمْلُونُ: "تَعَالَوْا وَسَاعِدُونَا، فَالغَرَقُ سَيُصِيبُ الجَمِيعَ إِذَا لَمْ نَتَعَاوَنُ!". اسْتَجَابَتِ الأَرَانِبُ وَبَدَأَتْ بِحَفْرِ قَنَوَاتٍ صَغِيرَةٍ لِتَصْرِيفِ المِيَاهِ الزَّائِدَةِ بَعِيداً عَنِ الحُقُولِ.
وَبَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ العَمَلِ الشَّاقِّ وَالمُتَوَاصِلِ، تَوَقَّفَ المَطَرُ، وَصَمَدَ السَّدُّ الَّذِي بَنَاهُ حَمْلُونُ وَأَصْدِقَاؤُهُ. نَظَرَ حَمْلُونُ إِلَى حَقْلِهِ وَقَدْ نَجَا مِنَ الغَرَقِ، فَشَعَرَ بِسَعَادَةٍ تَفُوقُ تِلْكَ الَّتِي شَعَرَ بِهَا عِنْدَمَا رَأَى مَزْرَعَةَ الأَبْقَارِ أَوْ غَابَةَ الدُّبِّ.
قَالَتِ الأُمُّ وَهِيَ تَمْسَحُ الطِّينَ عَنْ فَرْوِهِ: "لَقَدْ كَبُرْتَ يَا حَمْلُونُ، وَعَرَفْتَ أَنَّ مَنْ يَحْمِي أَرْضَهُ بِعَرَقِهِ، يَمْلِكُهَا لِلأَبَدِ". وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، نَامَ الجَمِيعُ فِي المَرْجِ بِسَلَامٍ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ قُوَّتَهُمْ فِي اتِّحَادِهِمْ وَحُبِّهِمْ لِدَارِهِمْ.
