مَلِكُ الغَابَةِ غَضْبان
كَانَ الصَّيفُ شَدِيدَ الحَرارَةِ فِي الغَابَةِ البَعِيدَةِ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تُذِيبُ الصُّخُورَ مِنْ فَرْطِ سُخُونَتِهَا. هَرَبَتْ جَمِيعُ الحَيَوَانَاتِ نَحْوَ البُحَيْرَةِ الزَّرْقَاءِ لِتَسْبَحَ وَتُبَرِّدَ أَجْسَامَهَا، إِلَّا مَلِكَ الغَابَةِ الأَسَدَ، فَقَدْ رَفَضَ الذَّهَابَ مَعَهُمْ. وَقَفَ الأَسَدُ أَمَامَ عَرِينِهِ غَاضِبًا، وَأَخَذَ يَزْأَرُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "هَوَاءٌ.. هَوَاءٌ.. أُرِيدُ هَوَاءً!".
كَانَ صُرَاخُ الأَسَدِ مُزْعِجًا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّ العَصَافِيرَ طَارَتْ مِنْ أَعْشَاشِهَا، وَوَضَعَتْ كُلُّ الحَيَوَانَاتِ أَصَابِعَهَا فِي آذَانِهَا لِتَحْمِيَهَا مِنَ الضَّجِيجِ. تَوَقَّفَ الجَمِيعُ عَنِ اللَّعِبِ وَالمَرَحِ فِي المَاءِ، وَتَسَاءَلُوا بِقَلَقٍ: "كَيْفَ نُوقِفُ المَلِكَ عَنِ الصُّرَاخِ لِنَسْتَعِيدَ هُدُوءَنَا؟".
تَقَدَّمَ الفِيلُ الطَّيِّبُ وَقَالَ: "سَأَذْهَبُ أَنَا وَأُهَوِّي لَهُ بِأُذُنَيَّ الكَبِيرَتَيْنِ حَتَّى يَهْدَأَ". تَرَكَ الفِيلُ بَرْدَ المَاءِ وَأَسْرَعَ إِلَى عَرِينِ الأَسَدِ، وَوَقَفَ أَمَامَهُ يُحَرِّكُ أُذُنَيْهِ الضَّخْمَتَيْنِ يَمِينًا وَيَسَارًا كَأَنَّهُمَا مِرْوَحَةٌ كَبِيرَةٌ. هَدَأَ الأَسَدُ قَلِيلًا وَتَوَقَّفَ عَنِ الصُّرَاخِ. لَكِنَّ الفِيلَ بَعْدَ فَتْرَةٍ شَعَرَ بِالتَّعَبِ الشَّدِيدِ، فَتَوَقَّفَ عَنْ تَحْرِيكِ أُذُنَيْهِ، وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، عَادَ الأَسَدُ يَصْرُخُ بِغَضَبٍ: "هَوَاءٌ.. هَوَاءٌ.. أُرِيدُ هَوَاءً!".
عَادَ الانْزِعَاجُ إِلَى الغَابَةِ، فَقَرَّرَ الطَّاوُوسُ الجَمِيلُ أَنْ يُجَرِّبَ حَظَّهُ، وَقَالَ: "سَأَذْهَبُ أَنَا وَأُهَوِّي لَهُ بِرِيشِي الزَّاهِي". ذَهَبَ الطَّاوُوسُ وَوَقَفَ أَمَامَ الأَسَدِ يَفْرِدُ ذَيْلَهُ المُلَوَّنَ وَيُحَرِّكُهُ بِرِقَّةٍ كَالمِرْوَحَةِ. اسْتَمْتَعَ الأَسَدُ بِالنَّسِيمِ وَصَمَتَ، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَعِبَ الطَّاوُوسُ وَتَوَقَّفَ عَنِ التَّهْوِيَةِ، فَعَادَ زَئِيرُ الأَسَدِ يَمْلأُ المَكَانَ مُطَالِبًا بِالهَوَاءِ.
حَاوَلَ الطَّائِرُ الطَّنَّانُ الصَّغِيرُ أَنْ يُسَاعِدَ أَيْضًا، فَطَارَ بِسُرْعَةٍ خَارِقَةٍ وَأَخَذَ يُحَرِّكُ جَنَاحَيْهِ الصَّغِيرَيْنِ بِقُوَّةٍ أَمَامَ وَجْهِ الأَسَدِ. لَكِنَّ الأَسَدَ نَهَرَهُ بِشِدَّةٍ وَصَرَخَ: "ابْتَعِدْ عَنِّي.. صَوْتُ طَنِينِ جَنَاحَيْكَ يُزْعِجُنِي!". بَقِيَ الأَسَدُ يَصْرُخُ، وَبَقِيَتِ الحَيَوَانَاتُ حَائِرَةً بَعْدَ أَنْ تَعِبَ الجَمِيعُ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِرْضَائِهِ.
وَفَجْأَةً، سُمِعَ صَوْتٌ قَوِيٌّ مِنَ السَّمَاءِ، وَظَهَرَتْ طَائِرَةٌ مِرْوَحِيَّةٌ صَفْرَاءُ تُحَلِّقُ فَوْقَ الغَابَةِ. كَانَتْ مَرَاوِحُ الطَّائِرَةِ تُثِيرُ هَوَاءً بَارِدًا وَمُنْعِشًا وَزَّعَتْهُ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الغَابَةِ. حِينَ أَحَسَّ الأَسَدُ بِالبُرُودَةِ اللَّطِيفَةِ، سَكَتَ تَمَامًا وَاسْتَلْقَى مُسْتَمْتِعًا. فَرِحَتِ الحَيَوَانَاتُ بِالهُدُوءِ، لَكِنَّ الفَرَحَةَ لَمْ تَدُمْ، فَبِمُجَرَّدِ أَنْ غَادَرَتِ الطَّائِرَةُ السَّمَاءَ، عَادَ الأَسَدُ إِلَى صُرَاخِهِ المُعْتَادِ: "هَوَاءٌ.. هَوَاءٌ!".
قَرَّرَتِ الحَيَوَانَاتُ الذَّهَابَ لِمُقَابَلَةِ الطَّائِرَةِ المِرْوَحِيَّةِ، وَحَكَوْا لَهَا مُعَانَاتَهُمْ مَعَ المَلِكِ الغَاضِبِ، وَطَلَبُوا مِنْهَا أَنْ تَطِيرَ فَوْقَهُمْ طَوَالَ اليَوْمِ. اسْتَغْرَبَتِ الطَّائِرَةُ وَقَالَتْ: "وَلِمَاذَا لَا يَذْهَبُ هُوَ إِلَى البُحَيْرَةِ لِيُبَرِّدَ نَفْسَهُ مِثْلَكُمْ؟". ثُمَّ أَضَافَتْ بِأَسَفٍ: "أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ البَقَاءَ هُنَا دَائِمًا، فَلَدَيَّ أَعْمَالٌ أُخْرَى".
فَكَّرَتِ الطَّائِرَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِمَكْرٍ: "لَقَدْ خَطَرَتْ لِي فِكْرَةٌ ذَكِيَّةٌ تَعَلَّمْتُهَا مِمَّا فَعَلَهُ الأَسَدُ مَعَ الطَّائِرِ الطَّنَّانِ!". طَلَبَتِ الطَّائِرَةُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ الذَّهَابَ إِلَى البُحَيْرَةِ وَالبَقَاءَ فِيهَا، ثُمَّ طَارَتْ نَحْوَ عَرِينِ الأَسَدِ. فِي البِدَايَةِ، جَلَسَ الأَسَدُ مَسْرُورًا بِالنَّسِيمِ، وَلَكِنْ فَجْأَةً، اقْتَرَبَتِ الطَّائِرَةُ مِنْهُ كَثِيرًا وَأَصْبَحَ صَوْتُ مَرَاوِحِهَا عَالِيًا وَمُزْعِجًا جِدًّا.
انْزَعَجَ الأَسَدُ وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَأَخَذَ يَجْرِي بَعِيدًا، لَكِنَّ الطَّائِرَةَ ظَلَّتْ تُطَارِدُهُ. صَرَخَ الأَسَدُ: "تَوَقَّفِي.. تَوَقَّفِي!". فَرَدَّتِ الطَّائِرَةُ: "لَنْ أَتَوَقَّفَ حَتَّى تَعِدَنِي بِأَنْ تَتَوَقَّفَ عَنْ تَهْدِيدِ الحَيَوَانَاتِ وَإِزْعَاجِهِمْ بِصُرَاخِكَ". خَافَ الأَسَدُ وَقَالَ: "سَأَتَوَقَّفُ.. أَعِدُكِ سَأَتَوَقَّفُ!".
وَمِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، تَغَيَّرَ مَلِكُ الغَابَةِ، وَأَصْبَحَ يَذْهَبُ مَعَ بَقِيَّةِ أَصْدِقَائِهِ إِلَى البُحَيْرَةِ لِيَسْبَحَ وَيَسْتَمْتِعَ بِبَرْدِ المَاءِ. أَمَّا الطَّائِرَةُ المِرْوَحِيَّةُ، فَقَدْ صَارَتْ تَزُورُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ، تُلْقِي عَلَيْهِمُ التَّحِيَّةَ وَتُهْدِيهِمْ نَسِيمًا لَطِيفًا يُفْرِحُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعًا.