حَمْلُونُ وَصَدِيقُ المَرْجِ المَفْقُود
بَعْدَ عَوْدَةِ حَمْلُونَ وَأُمِّهِ إِلَى مَرْجِهِمَا الحَبِيبِ، صَارَ حَمْلُونُ يُقَدِّرُ كُلَّ شِبْرٍ فِي أَرْضِهِ، وَيَعْمَلُ بِجِدٍّ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ رَبِيعِيٍّ بَدِيعٍ، بَيْنَمَا كَانَ حَمْلُونُ يَرْكُضُ قُرْبَ ضَفَّةِ النَّهْرِ الصَّافِي، سَمِعَ أَنِينًا خَافِتًا يَأْتِي مِنْ بَيْنِ أَعْشَابِ الحَلْفَاءِ الطَّوِيلَةِ.
اقْتَرَبَ حَمْلُونُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَ جَدْيًا صَغِيرًا قَدْ عَلِقَتْ رِجْلُهُ بَيْنَ صُخُورِ النَّهْرِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ الحَرَاكَ. كَانَ الجَدْيُ خَائِفًا وَيَرْتَجِفُ، فَقَالَ لَهُ حَمْلُونُ بِلُطْفٍ: "لَا تَخَفْ يَا صَدِيقِي، أَنَا حَمْلُونُ، سَأُسَاعِدُكَ حَالًا". حَاوَلَ حَمْلُونُ دَفْعَ الصَّخْرَةِ بِرَأْسِهِ الصَّغِيرِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ ثَقِيلَةً جِدًّا.
تَذَكَّرَ حَمْلُونُ مَا حَدَثَ لَهُ فِي رِحْلَتِهِ السَّابِقَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ القُوَّةَ لَيْسَتْ كُلَّ شَيْءٍ، بَلِ الحِكْمَةُ وَالتَّعَاوُنُ هُمَا الأَهَمُّ. رَكَضَ حَمْلُونُ مُسْرِعًا إِلَى أُمِّهِ وَنَادَاهَا، فَجَاءَتْ عَلَى الفَوْرِ. وَبِفَضْلِ قُوَّتِهَا وَتَوْجِيهَاتِ حَمْلُونَ، اسْتَطَاعَا زَحْزَحَةَ الصَّخْرَةِ وَتَحْرِيرَ الجَدْيِ الصَّغِيرِ.
فَرِحَ الجَدْيُ كَثِيرًا وَقَالَ: "شُكْرًا لَكُمَا! لَقَدْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ فِيهِ عُشْبٌ طَيِّبٌ فَضَلَلْتُ الطَّرِيقَ". تَبَسَّمَ حَمْلُونُ وَقَالَ لَهُ: "أَنْتَ الآنَ فِي مَرْجِنَا، وَهُوَ أَرْضُ الخَيْرِ وَالأَمَانِ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَبْقَى مَعَنَا ضَيْفًا عَزِيزًا".
قَضَى الجَدْيُ يَوْمَهُ يَلْعَبُ مَعَ حَمْلُونَ فِي المَرَاعِي الخَضْرَاءِ، وَعِنْدَ المَسَاءِ، سَاعَدَهُ حَمْلُونُ فِي العَوْدَةِ إِلَى أَهْلِهِ عِنْدَ التِّلالِ القَرِيبَةِ. تَعَلَّمَ حَمْلُونُ فِي هَذِهِ المُغَامَرَةِ أَنَّ السَّعَادَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي امْتِلاكِ أَرْضٍ جَمِيلَةٍ، بَلْ فِي مُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ وَمُشَارَكَتِهِمْ خَيْرَاتِ هَذِهِ الأَرْضِ.
عَادَ حَمْلُونُ إِلَى بَيْتِهِ الدافِئِ، وَارْتَمَى فِي حِضْنِ أُمِّهِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِفَخْرٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الحَمَلَ المَلُولَ، بَلْ صَارَ حَامِيًا لِلْمَرْجِ وَصَدِيقًا لِكُلِّ مُحْتَاجٍ.
