جَنَّاتُ وَحُبُّ النَّظَافَةِ
فِي ذَاتِ يَوْمٍ، جَلَسَتِ الطِّفْلَةُ الذَّكِيَّةُ جَنَّاتُ أَمَامَ شَاشَةِ التِّلْفَازِ بِاهْتِمَامٍ كَبِيرٍ. كَانَتْ تُتَابِعُ بِتَرْكِيزٍ بَرْنَامَجًا شَيِّقًا يُدْعَى (حُبَّ النَّظَافَةِ)، وَمِنْ خِلَالِ مَا شَاهَدَتْهُ، فَهِمَتْ جَنَّاتُ دَرْسًا غَالِيًا، وَهُوَ أَنَّ حُبَّ النَّظَافَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ نَقُولُهَا، بَلْ هُوَ سُلُوكٌ يَجِبُ أَنْ نُعَبِّرَ عَنْهُ بِأَفْعَالٍ نَافِعَةٍ وَمُفِيدَةٍ لَنَا وَلِمَنْ حَوْلَنَا.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، خَرَجَتْ جَنَّاتُ مِنْ مَنْزِلِهَا وَهِيَ مَلِيئَةٌ بِالْحَمَاسِ، لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا صُدِمَتْ بِمَا رَأَتْ؛ فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ كَمِّيَّاتٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْقِمَامَةِ وَالْأَوْسَاخِ مُتَنَاثِرَةً فِي كُلِّ مَكَانٍ. شَعَرَتْ جَنَّاتُ بِالِاسْتِيَاءِ الشَّدِيدِ وَالْحُزْنِ عَلَى مَنْظَرِ حَيِّهَا، وَتَمَنَّتْ مِنْ كُلِّ قَلْبِهَا لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْقِمَامَةَ تَتَبَدَّلُ بِزُهُورٍ جَمِيلَةٍ وَرَائِحَةٍ ذَكِيَّةٍ.
عَادَتْ جَنَّاتُ إِلَى بَيْتِهَا وَالْحُزْنُ يَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهَا الصَّغِيرِ، وَجَلَسَتْ تُفَكِّرُ بِعُمْقٍ: "كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُجَمِّلَ بِيئَتِي؟ وَكَيْفَ أُعِيدُ لِلشَّارِعِ نَظَافَتَهُ؟". ظَلَّتْ تُفَكِّرُ وَتُفَكِّرُ حَتَّى خَطَرَتْ لَهَا فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ؛ فَأَمْسَكَتْ بِأَوْرَاقِهَا وَأَقْلَامِهَا وَرَسَمَتْ لَوْحَةً لِشَارِعٍ نَظِيفٍ جِدًّا، تَصْطَفُّ عَلَى جَانِبَيْهِ الْأَشْجَارُ الْخَضْرَاءُ وَالزُّهُورُ الْمُلَوَّنَةُ. نَظَرَتْ إِلَى رَسْمَتِهَا بِفَخْرٍ وَقَالَتْ: "كَمْ سَيَكُونُ مَظْهَرُنَا جَمِيلًا وَحَضَارِيًّا أَمَامَ الْعَالَمِ أَجْمَعَ إِذَا أَصْبَحَ شَارِعُنَا هَكَذَا!".
لَمْ تَمْكُثْ جَنَّاتُ طَوِيلًا، بَلْ سَارَعَتْ لِلِاجْتِمَاعِ بِأَصْحَابِهَا وَعَرَضَتْ عَلَيْهِمُ الْفِكْرَةَ، وَاتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى بَدْءِ حَمْلَةٍ لِتَنْظِيفِ شَوارِعِ الْحَيِّ. قَالَتْ لَهُمْ مُشَجِّعَةً: "إِنَّ شَوَارِعَنَا هِيَ جُزْءٌ مِنْ بُيُوتِنَا، فَكَيْفَ نَقْبَلُ أَنْ نَتْرُكَهَا مُتَّسِخَةً؟!". وَبِالْفِعْلِ، نَزَلَ الْأَصْدِقَاءُ إِلَى الشَّارِعِ، وَبَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ يُنَظِّفُ الْمَسَاحَةَ الَّتِي تَقَعُ أَمَامَ مَنْزِلِهِ. وَلَكِنْ، لِلْأَسَفِ، لَمْ يَسْلَمُوا مِنْ مُضَايَقَاتِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ الْأَشْقِيَاءِ الَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ وَمِنْ جُهُودِهِمْ.
رَغْمَ السُّخْرِيَةِ، لَمْ يَتَوَقَّفِ الصِّغَارُ، وَمَا زَادَهُمْ إِصْرَارًا هُوَ خُرُوجُ جَارِهِمُ الْعَجُوزِ الطَّيِّبِ "عَمِّ عَلِيٍّ"، الَّذِي أَمْسَكَ بِمِكْنَسَتِهِ وَبَدَأَ يُنَظِّفُ مَعَهُمْ أَمَامَ بَيْتِهِ تَشْجِيعًا لَهُمْ. فَرِحَ الْأَطْفَالُ كَثِيرًا وَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِ بِالشُّكْرِ الْجَزِيلِ وَوَاصَلُوا عَمَلَهُمْ بِحَمَاسٍ أَكْبَرَ. بَعْدَ ذَلِكَ، تَوَجَّهَ الْعَمُّ عَلِيٌّ نَحْوَ الْأَوْلَادِ الْأَشْقِيَاءِ وَقَالَ لَهُمْ بِلُطْفٍ: "هَيَّا تَعَالَوْا نُغَيِّرْ مِنْ مَظْهَرِ الشَّارِعِ حَتَّى يَكُونَ نَظِيفًا وَيَكُونَ مِنْ أَجْمَلِ الشَّوَارِعِ فِي بَلَدِنَا".
تَأَثَّرَ الْأَوْلَادُ بِكَلَامِ الْعَمِّ عَلِيٍّ، فَانْضَمُّوا فَوْرًا إِلَى جَنَّاتَ وَأَصْحَابِهَا، وَأَصْبَحَ الْجَمِيعُ يَعْمَلُونَ كَيَدٍ وَاحِدَةٍ، يُنَظِّفُونَ وَيَجْمَعُونَ النِّفَايَاتِ، وَكَانَتِ السَّعَادَةُ تَمْلأُ قُلُوبَهُمْ بِهَذَا الْعَمَلِ الْجَمَاعِيِّ. وَفِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، تَحَقَّقَ الْحُلْمُ؛ فَقَدْ أَصْبَحَ الشَّارِعُ نَظِيفًا لَامِعًا، وَقَامُوا بِزِرَاعَةِ الْأَشْجَارِ الصَّغِيرَةِ وَالزُّهُورِ أَمَامَ الْمَنَازِلِ. وَلِكَيْ يُذَكِّرُوا الْجَمِيعَ بِأَهَمِّيَّةِ مَا فَعَلُوهُ، صَنَعُوا لَافِتَةً خَشَبِيَّةً جَمِيلَةً وَوَضَعُوهَا فِي مَكَانٍ بَارِزٍ، وَقَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ عَرِيضٍ: ((حُبُّ النَّظَافَةِ)).