عُصْفُورُ جَنَّاتَ

عُصْفُورُ جَنَّاتَ

عُصْفُورُ جَنَّاتَ

فِي كُلِّ صَبَاحٍ بَاكِرٍ، وَمَعَ زَقْزَقَةِ الْعَصَافِيرِ الْأُولَى، كَانَتْ جَنَّاتُ تَسْتَيْقِظُ بِنَشَاطٍ وَهِمَّةٍ. تَرْتَدِي مَلَابِسَهَا الزَّاهِيَةَ وَتَسْتَعِدُّ لِقَضَاءِ يَوْمٍ جَمِيلٍ فِي سُوقِ الْبِلْدَةِ. خَرَجَتْ جَنَّاتُ مِنْ مَنْزِلِهَا الصَّغِيرِ، وَأَلْقَتِ السَّلَامَ بِصَوْتِهَا اللَّطِيفِ عَلَى جِيرَانِهَا، وَهِيَ تَرْسُمُ عَلَى وَجْهِهَا ابْتِسَامَةً صَافِيَةً تَمْلَأُ الْقُلُوبَ فَرَحًا. وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَسِيرُ فِي طَرِيقِهَا، لَمَحَتْ رَجُلًا عَجُوزًا يَقِفُ حَائِرًا عَلَى جَانِبِ الرَّصِيفِ، لَا يَسْتَطِيعُ عُبُورَ الطَّرِيقِ الَّذِي كَانَ مُزْدَحِمًا بِالسَّيَّارَاتِ. لَمْ تَتَرَدَّدْ جَنَّاتُ لَحْظَةً وَاحِدَةً، بَلْ أَقْبَلَتْ نَحْوَهُ بِرِفْقٍ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ الْكَبِيرَةِ، وَسَاعَدَتْهُ بِحَنَانٍ حَتَّى عَبَرَ إِلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى حَيْثُ يُرِيدُ.

وَاصَلَتْ جَنَّاتُ طَرِيقَهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى سُوقِ الْبِلْدَةِ الصَّاخِبِ، وَأَخَذَتْ تَتَجَوَّلُ بَيْنَ مَتَاجِرِهِ الْمُلَوَّنَةِ، تَنْتَقِي أَفْضَلَ الْخَضْرَاوَاتِ الطَّازَجَةِ وَالْفَاكِهَةِ اللَّذِيذَةِ لِتَشْتَرِيَهَا. وَفِي أَثْنَاءِ جَوْلَتِهَا، وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى بَائِعِ الْعَصَافِيرِ، فَمَالَتْ نَفْسُهَا لِامْتِلَاكِ عُصْفُورٍ رَقِيقٍ يُؤْنِسُ وَحْدَتَهَا. دَخَلَتْ مَحِلَّ الْعَصَافِيرِ، وَبَعْدَ تَفْكِيرٍ عَمِيقٍ، اخْتَارَتْ عُصْفُورًا جَمِيلًا يَخْطَفُ الْأَنْظَارَ بِأَلْوَانِهِ الرَّائِعَةِ.

عَادَتْ جَنَّاتُ إِلَى مَنْزِلِهَا وَهِيَ تَحْمِلُ ضَيْفَهَا الْجَدِيدَ، وَاخْتَارَتْ لَهُ مَكَانًا مُمَيَّزًا جِدًّا بِجِوارِ الشُّبَّاكِ الْكَبِيرِ لِيَرَى ضَوْءَ الشَّمْسِ. بَدَأَتْ جَنَّاتُ تَعْتَنِي بِالْعُصْفُورِ بِكُلِّ حُبٍّ؛ فَكَانَتْ تُقَدِّمُ لَهُ أَطْيَبَ الطَّعَامِ، وَتُحَافِظُ عَلَى نَظَافَةِ قَفَصِهِ، وَتَضَعُ لَهُ الْمَاءَ الْعَذْبَ كُلَّ يَوْمٍ. لَكِنَّ أَمْرًا غَرِيبًا حَدَثَ، فَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، لَمْ يَكُنِ الْعُصْفُورُ سَعِيدًا، بَلْ كَانَ يَزْدَادُ حُزْنًا وَانْطِوَاءً، مِمَّا جَعَلَ جَنَّاتَ تَشْعُرُ بِالْحَيْرَةِ وَالْقَلَقِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ.

فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَلَسَتْ جَنَّاتُ أَمَامَ الْقَفَصِ بِأَسَى، وَنَظَرَتْ إِلَى عَيْنَيِ الْعُصْفُورِ وَسَأَلَتْهُ بِحُزْنٍ: "مَا بِكَ يَا صَدِيقِي الصَّغِيرُ؟ لِمَاذَا تَوَقَّفْتَ عَنِ التَّغْرِيدِ وَأَصْبَحْتَ حَزِينًا؟ مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ لِأَرَى السَّعَادَةَ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ جَدِيدٍ؟". وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جَاءَتْ يَمَامَةٌ حُرَّةٌ وَهَبَطَتْ عَلَى حَافَةِ الشُّبَّاكِ، ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ طَارَتْ مُحَلِّقَةً فِي الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ. نَظَرَتْ جَنَّاتُ إِلَى الْيَمَامَةِ ثُمَّ إِلَى عُصْفُورِهَا السَّجِينِ، وَأَدْرَكَتِ الْحَقِيقَةَ، فَقَالَتْ بِرِقَّةٍ: "لَعَلَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَطِيرَ مِثْلَهَا وَتَسْتَعِيدَ حُرِّيَّتَكَ".

بِدُونِ تَرَدُّدٍ، حَمَلَتْ جَنَّاتُ الْقَفَصَ وَوَضَعَتْهُ عَلَى عَتَبَةِ الشُّبَّاكِ، ثُمَّ فَتَحَتْ بَابَهُ الصَّغِيرَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ. انْطَلَقَ الْعُصْفُورُ كَالسَّهْمِ، يَفْرِدُ جَنَاحَيْهِ وَيُحَلِّقُ فِي السَّمَاءِ الزَّرْقَاءِ، وَقَدْ غَمَرَتْهُ سَعَادَةٌ لَا تُوصَفُ. وَبَعْدَ قَلِيلٍ، عَادَ الْعُصْفُورُ لِيَقِفَ لَحْظَةً عَلَى شُبَّاكِ جَنَّاتَ، وَأَخَذَ يُغَرِّدُ بِأَعْذَبِ الْأَلْحَانِ كَأَنَّهُ يُقَدِّمُ لَهَا الشُّكْرَ وَالِامْتِنَانَ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ مَرَّةً أُخْرَى لِيَطِيرَ حُرًّا فِي رِحَابِ الطَّبِيعَةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم