جنات والصياد

جنات والصياد

جنات والصياد

فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ مِنْ لَيَالِي الشِّتَاءِ القَارِسَةِ، كَانَتِ السَّمَاءُ تَلْمَعُ بِنُجُومِهَا البَعِيدَةِ، بَيْنَمَا كَانَ الهَوَاءُ يَعْصِفُ بِقُوَّةٍ خَارِجَ البُيُوتِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَتْ طِفْلَةٌ ذَكِيَّةٌ تُدْعَى جَنَّاتُ تَقِفُ خَلْفَ نَافِذَةِ مَنْزِلِهَا، تُرَاقِبُ بِدَهْشَةٍ جِيرَانَهَا الصَّيَّادِينَ الأَشِدَّاءَ وَهُمْ يَسْتَعِدُّونَ لِخَوْضِ مَغَامَرَةٍ جَدِيدَةٍ فِي عُرْضِ البَحْرِ. رَأَتْهُمْ جَنَّاتُ وَهُمْ يَحْمِلُونَ شِبَاكَهُمْ الثَّقِيلَةَ وَمَعَدَّاتِهِمْ، وَيَرْكَبُونَ مَرَاكِبَهُمْ الخَشَبِيَّةَ الصَّغِيرَةَ بِكُلِّ شَجَاعَةٍ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ نَحْوَ قَلْبِ البَحْرِ المَائِحِ، غَيْرَ مُبَالِينَ بِبُرُودَةِ الجَوِّ الشَّدِيدَةِ الَّتِي كَانَتْ تَجْعَلُ الجَمِيعَ يَرْتَجِفُونَ. عِنْدَهَا، خَرَجَتْ جَنَّاتُ إِلَى فِنَاءِ بَيْتِهَا، وَرَفَعَتْ بَصَرَهَا نَحْوَ السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، وَدَعَتِ اللَّهَ بِقَلْبٍ نَقِيٍّ أَنْ يَرْزُقَ هَؤُلَاءِ الصَّيَّادِينَ المُجْتَهِدِينَ رِزْقاً حَلَالاً كَثِيراً، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى سَعْيِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ فِي عَمَلِهِمْ.

وَعِنْدَمَا أَشْرَقَتْ شَمْسُ الصَّبَاحِ، ذَهَبَتْ جَنَّاتُ إِلَى غُرْفَةِ أُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ "جُمَانَة" لِتُوقِظَهَا مِنْ نَوْمِهَا العَمِيقِ، حَتَّى تَتَحَضَّرَ لِلذَّهَابِ إِلَى مَدْرَسَتِهَا. وَلَكِنَّ جُمَانَةَ الَّتِي كَانَتْ تُحِبُّ النَّوْمَ كَثِيراً وَتَمِيلُ إِلَى الكَسَلِ، تَمَسَّكَتْ بِغِطَائِهَا الدَّافِئِ وَرَفَضَتِ النُّهُوضَ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ نَاعِسٍ إِنَّهَا لَنْ تَذْهَبَ اليَوْمَ، فَالجَوُّ بَارِدٌ جِدّاً خَارِجَ السَّرِيرِ!. نَظَرَتْ إِلَيْهَا جَنَّاتُ بِهُدُوءٍ وَسَأَلَتْهَا: "أَلَا تُرِيدِينَ أَنْ تُصْبِحِي طَبِيبَةً مَاهِرَةً فِي المُسْتَقْبَلِ يَا جُمَانَةُ؟". أَجَابَتْ جُمَانَةُ بِسُرْعَةٍ: "بَلَى، أَنَا أَتَمَنَّى ذَلِكَ كَثِيراً!". حِينَهَا ابْتَسَمَتْ جَنَّاتُ وَقَالَتْ لَهَا بِحِكْمَةٍ: "يَا أُخْتِي العَزِيزَةَ، لَنْ تَصِلِي إِلَى مَا تَتَمَنَّيْنَ أَبَداً إِلَّا بِالجِدِّ وَالاجْتِهَادِ وَالعَمَلِ المُتَوَاصِلِ".

ثُمَّ أَكْمَلَتْ جَنَّاتُ حَدِيثَهَا وَهِيَ تُحَاوِلُ إِقْنَاعَهَا: "هَلْ رَأَيْتِ جِيرَانَنَا الصَّيَّادِينَ الصَّابِرِينَ كَيْفَ ذَهَبُوا لِمُواجَهَةِ أَمْوَاجِ البَحْرِ دُونَ خَوْفٍ مِنَ البَرْدِ؟. هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ اللَّهَ سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ السَّمَكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فِي بُيُوتِهِمْ؟ طَبْعاً لَا!". تَأَثَّرَتْ جُمَانَةُ بِكَلَامِ أُخْتِهَا، فَنَهَضَتْ مِنْ فِرَاشِهَا وَارْتَدَتْ مَلَابِسَهَا المَدْرَسِيَّةَ، وَانْطَلَقَتْ مَعَ جَنَّاتَ فِي الطَّرِيقِ نَحْوَ العِلْمِ. وَبَيْنَمَا هُمَا تَمْشِيَانِ عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ، قَالَتْ جَنَّاتُ: "تَخَيَّلِي لَوْ أَنَّ صَيَّاداً كَسُولاً جَلَسَ عَلَى الرَّمْلِ وَرَمَى شَبَكَتَهُ هُنَا، هَلْ سَيَحْصُلُ عَلَى صَيْدٍ وَفِيرٍ؟". قَالَتْ جُمَانَةُ: "رُبَّمَا يَحْصُلُ عَلَى سَمَكَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ". فَرَدَّتْ جَنَّاتُ مُوضِحَةً: "تَمَاماً كَدُرُوسِكِ، إِذَا تَكَاسَلْتِ عَنْ رِحْلَةِ العِلْمِ، فَقَدْ تَنْجَحِينَ نَجَاحاً صَغِيراً، لَكِنَّكِ لَنْ تَحْصُلِي عَلَى المَجْمُوعِ الكَبِيرِ الَّذِي يُؤَهِّلُكِ لِدُخُولِ كُلِّيَّةِ الطِّبِّ كَمَا تَحْلُمِينَ".

وَبَعْدَ انْتِهَاءِ اليَوْمِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الأُخْتَانِ تَعُودَانِ إِلَى المَنْزِلِ، شَاهَدَتَا الصَّيَّادِينَ وَهُمْ يَعُودُونَ بِمَرَاكِبِهِمْ المَمْلُوءَةِ بِأَنْوَاعِ السَّمَكِ الشَّهِيِّ بَعْدَ مُرُورِ الوَقْتِ. كَانَتِ الفَرْحَةُ تَمْلأُ وُجُوهَهُمْ، وَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ فِي رِزْقِهِمْ مُكَافَأَةً لَهُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ وَجُهْدِهِمْ. هُنَا نَظَرَتْ جَنَّاتُ إِلَى جُمَانَةَ وَقَالَتْ: "أَرَأَيْتِ كَيْفَ يُحِبُّ اللَّهُ المُجْتَهِدِينَ وَيُعْطِيهِمْ، وَكَيْفَ لَا يَنْجَحُ مَنْ يَرْكَنُ إِلَى الكَسَلِ؟". فَهِمَتْ جُمَانَةُ الدَّرْسَ جَيِّداً، وَأَيْقَنَتْ أَنَّ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ نَصِيباً فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، وَوَعَدَتْ أُخْتَهَا أَنَّهَا سَتَكُونُ تِلْمِيذَةً مُجْتَهِدَةً دَائِماً، لِتُحَقِّقَ حُلْمَهَا الجَمِيلَ وَتُصْبِحَ طَبِيبَةً تَفْخَرُ بِهَا عائِلَتُهَا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم