كليلة و دمنة 02 الأسد والثور
عَاشَ الثعلبُ (دِمْنَةُ) في صُحْبَةِ الأَسدِ مَلِكِ الغابةِ، فَارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ كَثيراً، حتى صَارَ أنيسَهُ وجليسَهُ المُقَرَّبَ، وصديقَهُ ورفيقَهُ الذي لا يُفارِقُهُ، ومستشارَهُ الذي يأتَمِنُهُ على كُلِّ كَبيرٍ وصغيرٍ، وكلِّ جادٍ وخطيرٍ من الأمورِوقبل أن يَتَمَكَّنَ الأسدُ من الإجابةِ على سؤالِ (دِمْنَةَ)، قَطَعَ هدوءَ المكانِ صوتٌ لم يُسمَعْ مثلهُ من قبل؛ فقد خارَ الثورُ (شِتْرَبَةُ) خواراً شديداً وعالياً جداً قادماً من جهةِ المرجِ الأخضرِ القريبِ
إلا أنَّ (دِمْنَةَ) الذكيَّ قد لاحظَ بفطنتِهِ أنَّ ذلكَ الصَّوتَ قد أفزعَ الأسدَ حقاً، فالتفتَ إليهِ في أدبٍ مُصطنعٍ وقال: هل ظننتَ أيُّها الملكُ أنَّ هذا الصَّوتَ يمكنُ أن يكونَ مُخيفاً؟
وتابعَ (دِمْنَةُ) كلامَهُ مُقترحاً: إنَّ هذا الصَّوتَ الذي أخافنا، لو ذَهبنا إليهِ لوجدنا صاحبهُ أضعفَ بكثيرٍ مِمَّا نتخيلُ
بعدَ رَحيلِ (دِمْنَةَ)، نَدِمَ الأسدُ نَدماً شديداً، وخافَ أن يكونَ (دِمْنَةُ) قد تآمرَ عليهِ مع ذلكَ الوحشِ الغريبِ
ذهبَ (دِمْنَةُ) إلى الثورِ واستخدمَ دهائهُ لِيُخيفَهُ، فأخبرَهُ أنَّ الملكَ الأسدَ قد أرسلَهُ ليدعوهُ، فإذا جاءَ بسرعةٍ سيكونُ في أمانٍ، وإلا سيلقى عقاباً شديداً
حينما رأى (دِمْنَةُ) مَنْزِلَةَ الثورِ الجديدةَ، اشتعلتْ نارُ الغيرةِ والحسدِ في قلبِهِ، فذهبَ إلى أخيهِ (كليلة) يشكو لهُ ضياعَ مكانتِهِ بسببِ الثورِ الذي أحضرَهُ بنفسِهِ
تغيبَ (دِمْنَةُ) فترةً، ثم دخلَ على الأسدِ مُتظاهراً بالحزنِ الشديدِ، وأخبرَهُ في دهاءٍ أنَّ الثورَ (شِتْرَبَةَ) يخططُ للانقلابِ عليهِ وقتلِهِ ليأخذَ الملكَ لنفسِهِ. فزعَ الأسدُ وسألَ عن الدليلِ، فقالَ (دِمْنَةُ): إنَّ علامةَ ذلكَ أنَّكَ حينَ تراهُ غداً ستجدُهُ مُتغيراً، يَهزُّ قرنيهِ ويستعدُّ للهجومِ. ثم ذهبَ (دِمْنَةُ) للثورِ وكذبَ عليهِ أيضاً، قائلاً إنَّ الأسدَ قد قرَّرَ قتلَهُ وأكلَهُ. وأعطاهُ علامةً كاذبةً، وهي أنَّ الأسدَ سَيَجلسُ مستعداً للوثوبِ وعيناهُ تلمعانِ بالغضبِ.
وفي اليومِ التالي، التقى الصديقانِ، وكان كلُّ واحدٍ منهما يتربصُ بالآخرِ بسببِ أكاذيبِ (دِمْنَةَ). وما إن رآى كلٌّ منهما العلاماتِ التي ذكرها (دِمْنَةُ)، حتى هجما على بعضِهما في صراعٍ مَريرٍ. انتهتِ المعركةُ بموتِ الثورِ (شِتْرَبَةَ) وجرحِ الأسدِ جروحاً بليغةً. وبعدَ فواتِ الأوانِ، جلسَ الأسدُ وحيداً يبكي صديقَهُ المخلصَ بحزنٍ شديدٍ، بعدَ أن نَجحَ (دِمْنَةُ) الشريرُ في تدميرِ تلكَ الصداقةِ بمكرِهِ وحسدِهِ.
