كليلة و دمنة 04 محاكمة دمنة
عَقَدَتْ هَيْئَةُ الْمَحْكَمَةِ - الَّتِي أَمَرَ الأَسَدُ مَلِكُ الْغَابَةِ بِتَشْكِيلِهَا - جِلْسَتَهَا الْكُبْرَى لِمُحَاكَمَةِ الثَّعْلَبِ المَاكِرِ (دِمْنَةَ) بِتُهْمَةِ السَّعْيِ بِالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالَّتِي نَتَجَ عَنْهَا قَتْلُ الثَّوْرِ (شَتْرِبَةَ) دُونَ ذَنْبٍ أَوْ جِنَايَةٍ ارْتَكَبَهَا. وَقَدْ احْتَشَدَتْ فِي قَاعَةِ الْمَحْكَمَةِ أَنْوَاعُ الْحَيَوَانَاتِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي جَاءَتْ لِتَرَى مَصِيرَ هَذَا المَاكِرِ الَّذِي مَلأَ الْقُلُوبَ بِالْفِتَنِ. افْتَتَحَ الْقَاضِي الْجِلْسَةَ وَأَعْلَنَ لِلْحَاضِرِينَ أَنَّ مَنْ لَدَيْهِ أَقْوَالٌ تُبَرِّئُ أَوْ تُدِينُ (دِمْنَةَ) مِنَ التُّهَمِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ التَّقَدُّمَ بِهَا إِلَى هَيْئَةِ الْمَحْكَمَةِ لِيَأْخُذَ الْعَدْلُ مَجْرَاهُ.
نَهَضَ الْخِنْزِيرُ الْبَرِّيُّ وَقَالَ: "أَنَا لَدَيَّ مَا أَدْلِي بِهِ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ سُوءِ خُلُقِ دِمْنَةَ مَا لَا يُحْتَمَلُ"، لَكِنَّ دِمْنَةَ بِمَكْرِهِ المَعْرُوفِ رَدَّ عَلَيْهِ بِإِهَانَةٍ قَاسِيَةٍ، وَسَخِرَ مِنْ شَكْلِهِ أَمَامَ الْجَمِيعِ، فَتَعَجَّبَ الْحَاضِرُونَ مِنْ شِدَّةِ وَقَاحَتِهِ حَتَّى وَهُوَ فِي قَفَصِ الِاتِّهَامِ. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، كَانَ الْحُزْنُ يَعْتَصِرُ قَلْبَ (كَلِيلَةَ) عَلَى أَخِيهِ، لَيْسَ دِفَاعاً عَنْ جُرْمِهِ، بَلْ أَسَفاً عَلَى مَا جَرَّهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ المَصَاعِبِ، وَتَسَبَّبَ هَذَا الْحُزْنُ الشَّدِيدُ فِي مَرَضِ (كَلِيلَةَ) مَرَضاً شَدِيداً، حَتَّى لَمْ يَلْبَثْ أَنْ فَارَقَ الْحَيَاةَ حُزْناً وَكَمَداً.
وكَانَ لِكَلِيلَةَ صَدِيقٌ عَزِيزٌ يُدْعَى (رَوْزَبَةَ)، فَلَمَّا عَلِمَ بِوَفَاةِ صَدِيقِهِ، انْطَلَقَ إِلَى (دِمْنَةَ) فِي السِّجْنِ لِيُخْبِرَهُ بِالْخَبَرِ الأَلِيمِ. فَلَمَّا سَمِعَ دِمْنَةُ نَبَأَ مَوْتِ أَخِيهِ، بَكَى بُكَاءً حَاراً وَصَرَخَ بِنَدَمٍ: "مَا قِيمَةُ الْحَيَاةِ بَعْدَكَ يَا أَخِي؟ وَمَاذَا أَفْعَلُ فِي الدُّنْيَا بَعْدَكَ؟"، فَقَامَ رَوْزَبَةُ بِتَطْيِيبِ خَاطِرِهِ وَعَاهَدَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَخاً وَصَدِيقاً مُخْلِصاً، وَأَنْ يَنْقُلَ لَهُ كُلَّ مَا يَدُورُ فِي الْمَحْكَمَةِ مِنْ أَخْبَارٍ.
عَادَتِ الْمَحْكَمَةُ لِلِانْعِقَادِ، وَكَانَ الْقَاضِي قَدْ جَمَعَ شُهُوداً جُدُداً، حَيْثُ تَقَدَّمَ النَّمِرُ وَأَدْلَى بِشَهَادَتِهِ حَوْلَ مَا سَمِعَهُ بَيْنَ الأَخَوَيْنِ فِي السَّابِقِ. حَاوَلَ (دِمْنَةُ) الِانْكِارَ وَاسْتِخْدَامَ دَهَائِهِ لِيُشَكِّكَ فِي كَلَامِ النَّمِرِ، لَكِنَّ المُفَاجَأَةَ كَانَتْ حِينَ تَقَدَّمَ جُنْدِيٌّ كَانَ مَسْجُوناً مَعَ دِمْنَةَ، وَأَخْبَرَ الْقَاضِيَ أَنَّهُ سَمِعَ دِمْنَةَ يَعْتَرِفُ لِكَلِيلَةَ صَرَاحَةً بِأَنَّهُ هُوَ مَنْ دَبَّرَ الفِتْنَةَ لِيَقْتُلَ الثَّوْرَ. هُنَا اسْتَشَاطَتْ أُمُّ الأَسَدِ غَضَباً وَقَالَتْ: "الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، فَلَا مَجَالَ لِلْهَرَبِ أَيُّهَا المَاجِنُ".
وَأَمَامَ كُلِّ هَذِهِ الأَدِلَّةِ وَالشَّهَادَاتِ، انْهَارَتْ كُلُّ حِيَلِ (دِمْنَةَ) وَظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ لِلْعِيَانِ. أَصْدَرَ الْقَاضِي حُكْمَهُ النِّهَائِيَّ بِإِدَانَتِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُودَعَ فِي السِّجْنِ لِيَمُوتَ فِيهِ جُوعاً وَعَطَشاً، جَزَاءً لِقَلْبِهِ القَاسِي وَلِسَانِهِ الَّذِي قَتَلَ الأَبْرِيَاءَ. وَهَكَذَا نَالَ دِمْنَةُ عَاقِبَةَ ظُلْمِهِ، وَتَعَلَّمَتِ الْحَيَوَانَاتُ أَنَّ حِبَالَ الْكَذِبِ قَصِيرَةٌ، وَأَنَّ النَّمِيمَةَ لَا تَجْلِبُ لِصَاحِبِهَا إِلَّا الْهَلَاكَ وَالخَسَارَةَ.
