كليلة و دمنة 09 الجرذ والغراب

كليلة و دمنة 09 الجرذ والغراب

كليلة و دمنة 09 الجرذ والغراب

لمّا رَأى الغُرابُ ما صَنَعَهُ الجُرَذُ الذكيُّ مع الحمامَةِ المَطوَّقَةِ وأصدقائها من الحمامِ، وكيفَ استطاعَ بأسنانِهِ القويةِ وصَبْرِهِ أنْ يُقرضَ الشَّبكةَ ويُخلِّصَ الجميعَ من الأَسْرِ، مَلأَ الإعجابُ قلبَهُ. أدركَ الغرابُ أنَّ هذا الجُرَذَ ليس كغيرِهِ، فهو يملكُ إخلاصاً نادراً ووفاءً كبيراً لأصدقائهِ، فَرغبَ رغبةً شديدةً في مُصادقتِهِ. طارَ الغرابُ هادئاً حتى وقفَ قريباً من فتحةِ الجُحْرِ الذي يعيشُ فيه الجُرَذُ، ثم ناداهُ بلطفٍ. أطلَّ الجُرَذُ برأسِهِ الصغيرِ بحذرٍ، فلمّا رأى الغرابَ واقفاً أمامَ بيتِهِ، دَهِشَ كثيراً وقال: "مَنْ أنتَ؟ وماذا تريدُ مني؟!". أجابَهُ الغرابُ بصوتٍ رقيقٍ: "أنا واحدٌ مُعجبٌ جداً بإخلاصِكَ في عَمَلِكَ، ووفائِكَ الكبيرِ لأصدقائِكَ، ولذلك جئتُ إليكَ لأني أريدُ مُصادقتَكَ".

نظرَ الجُرَذُ إليه بشكٍّ وقال: "إنَّ العاقلَ يا غرابُ يجبُ أن يسعى لِما يجدُ إليه سبيلاً، وأنا وأنتَ لا يوجدُ بيننا طريقٌ للصداقةِ؛ فأنتَ الآكلُ وأنا الطعامُ، وأنا بالنسبةِ لكَ صيدٌ سهلٌ، فلا بدَّ أنَّكَ تحتالُ عليَّ لتأكلَني". تَعجَّبَ الغرابُ من تفكيرِهِ وقال: "يا صديقي، إنَّ أكلي إيّاكَ لن يُغنيَ عني شيئاً، ولكنَّ مودَّتَكَ وصداقتَكَ أحبُّ إليَّ من ذلك بـكثيرٍ، وليس من الكرمِ أن تَرُدَّني خائباً وأنا الذي جئتُ أطلبُ صُحبتَكَ لِما رأيتُ من حُسنِ خُلقِكَ". سأله الجُرَذُ: "وما الذي رأيتَهُ مني؟". فحكى له الغرابُ كيف شاهدَهُ وهو يُنقذُ الحمامَ، وأخبرَهُ أنَّ الفضلَ لا يَخفى أبداً، فهو كالعِطرِ الذكيِّ الذي تفوحُ رائحتُهُ مهما حاولنا إخفاءَهُ.

ظلَّ الجُرَذُ حذراً وقال: "العاقلُ لا يأنسُ لعدوِّهِ". لكنَّ الغرابَ أصرَّ قائلاً: "أرجوكَ لا تُصعِّب الأمرَ، فأنا لم آتِ لعداوةٍ، والكريمُ يسعى دائماً لمصادقةِ الكريمِ، أما اللئيمُ فلا يصادقُ أحداً إلا لمصلحةٍ أو خوفاً من شرِّهِ، وأنا سأبقى واقفاً ببابِ جُحركَ ولن آكلَ طعاماً حتى تقبلَ صداقتي". حينها عَلِمَ الجُرَذُ أنَّ الغرابَ صادقٌ، فخرجَ إليه وقال: "لقد قَبِلتُ أُخوَّتَكَ وصداقتَكَ". فسأله الغرابُ: "ولماذا رَفَضتَ في البدايةِ؟". فأجاب الجُرَذُ: "حتى لا تظنَّ أني سهلُ الانخداعِ أو غبيٌّ وساذجٌ، ولكي لا تندمَ يوماً على صُحبتي".

ومع ذلك، وقفَ الجُرَذُ بعيداً قليلاً، فسأله الغرابُ: "هل ما زلتَ تخافُ مني؟". قال الجُرَذُ: "لا أشكُّ فيكَ، ولكن أخشى أن يكونَ لكَ أصدقاءٌ سوءٌ لا يحبونَني". ضحكَ الغرابُ وقال: "الصديقُ الحقُّ هو مَن يكونُ صديقاً لصديقِ صاحبِهِ، ولتعلمْ أنَّ كلَّ أصدقائي سيكونون أصدقاءَكَ، ومَن يُعاديكَ سأقاطعُهُ". حينها اطمأنَّ الجُرَذُ وتقدَّمَ وصافحَ الغرابَ، وأصبحا لا يفترقانِ أبداً.

وذات يومٍ، خافَ الغرابُ على صديقِهِ لأنَّ جُحرهُ كان قريباً من طريقِ الناسِ، فاقترحَ عليه أن ينتقلا إلى مكانٍ بعيدٍ ومنعزلٍ عند نهرٍ مليءٍ بالسمكِ، حيث تعيشُ هناك صديقةٌ له من السلاحفِ. وافقَ الجُرَذُ وقال: "هيا بنا، فلديَّ قصصٌ كثيرةٌ سأحكيها لكَ هناك". أمسكَ الغرابُ الجُرَذَ من ذيلِهِ بلطفٍ وطارَ به حتى وَصلا للمكانِ. فزِعت السلحفاةُ في البدايةِ، لكنَّ الغرابَ طمأنها وحكى لها قصةَ وفاءِ الجُرَذِ، ففرحت به ورحَّبت به صديقاً جديداً.

سألت السلحفاةُ الجُرَذَ: "ما الذي جاءَ بكَ إلى بلادٍ لا تعيشُ فيها الجرذانُ؟". تنهَّدَ الجُرَذُ وقال: "قصتي طويلةٌ؛ كنتُ أعيشُ في بيتِ رجلٍ ناسكٍ وحيدٍ، وكان يعلّقُ سلةَ طعامِهِ على الجدارِ، فكنتُ أقفزُ إليها وآكلُ وأُطعمُ كلَّ الجرذانِ رفاقي. حاولَ الناسكُ كثيراً مَنْعي وفشلَ، حتى زارَهُ ضيفٌ ذات ليلةٍ، وأخبرَهُ الضيفُ أنَّ سِرَّ قوتي وقَفزي العالي هو وجودُ كنزٍ تحت جُحري يمنحُني النشاطَ. حفرَ الضيفُ الجُحْرَ وأخذَ كيسَ الدنانيرِ، وفجأةً فقدتُ قدرتي على القفزِ، وتخلَّى عني كلُّ أصدقائي الجرذانِ عندما أصبحوا يَرَونني ضعيفاً ومحتاجاً. عندها أدركتُ حقيقةَ الناسِ ورحلتُ حتى وجدتُ هذا الغرابَ الوفيَّ". لمّا سمعت السلحفاةُ قصتَهُ، قالت له بـمودّةٍ: "مرحباً بكَ أخاً وصديقاً لنا دائماً". وبذلك عاشَ الأصدقاءُ الثلاثةُ في أمانٍ وسعادةٍ وتعاونٍ دائمٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم