كليلة و دمنة 08 الحمامة المطوقة

 كليلة و دمنة 08 الحمامة المطوقة

كليلة و دمنة 08 الحمامة المطوقة

كانَ هناك غرابٌ يعيشُ في وَكْرِهِ الذي بَناهُ فَوْقَ شَجَرَةٍ ضَخْمَةٍ، كَثيرةِ الفُروعِ ومُتَشابِكَةِ الأَغْصانِ. كانَ هذا الغرابُ يسكنُ في مَكانٍ يَعِجُّ بالحيواناتِ والطيورِ، مِمّا جَعَلَ الصيادينَ يَرْتادونَ المَكانَ باستمرارٍ حامِلينَ شِباكَهُمْ وأدواتِ صَيْدِهِمْ لِوَفْرَةِ الصيدِ هناك. وذاتَ يومٍ، وبينما كانَ الغرابُ يُطِلُّ بِرأْسِهِ مِنْ وَكْرِهِ، رَأَى مَنْظراً أَثارَ الخَوْفَ في نَفْسِهِ؛ فقد أَبْصَرَ صياداً يحملُ شَبَكَةً وعصاً غليظةً، وقَدْ وَقَفَ تماماً تحتَ الشجرةِ التي يَسكنُ فيها. خافَ الغرابُ وقالَ في نَفْسِهِ: "لقد جاءَ هذا الصيادُ لِيَقْتُلَني أو يَقْتُلَ غَيْري، سأبقى في مَكاني حتى أرى ماذا سَيَفْعَل".

قامَ الصيادُ بِنَصْبِ شَبَكَتِهِ بِإحكامٍ ودقةٍ، وأَخْفى أَطرافَها ونَثَرَ عليها الحُبوبَ، ثم اخْتَبأَ بَعيداً يَنْتَظِرُ وقوعَ الطيرِ. ولَمْ يَمْضِ وَقتٌ طويلٌ حتى جاءَتْ حَمامةٌ تُدعى "الحمامةَ المطوقةَ"، وهي سيدةُ الحمامِ، وكانَ يَطيرُ خَلْفَها سِرْبٌ كبيرٌ. ولأنَّ الحمامَ كانَ جائعاً، فَقَدْ فَرِحوا برؤيةِ الحَبِّ ونزلوا لالْتِقاطِهِ، فعَموا عَنْ رؤيةِ الشبكةِ ووقعوا جميعاً فيها.

بدأتْ كلُّ حمامةٍ تضربُ بجناحَيْها وتُحاولُ الخلاصَ بِمُفردِها دونَ جَدْوى. وهنا ظَهَرَتْ حِكمةُ الحمامةِ المطوقةِ التي قالتْ لَهُنَّ: "يجبُ ألا تُحاولَ كلُّ واحدةٍ نَجاةَ نَفْسِها فقط، فلا نَجاةَ لنا إلا بالتعاونِ". سألتْ إحدى الحماماتِ عن الطريقةِ، فأجابتِ المطوقةُ: "إذا تَعاوَنّا كلُّنا، أمكننا قَلْعُ الشبكةِ والطيرانُ بها معاً". وبالفعلِ، استجمعتِ الحماماتُ قواهُنَّ وطارَتِ الشبكةُ في الفضاءِ والحمامُ بداخلِها.

تعجبَ الصيادُ لِما رأى، وقررَ تَتَبُّعَ سِرْبِ الحمامِ وهو يأمَلُ أن يَتعبوا ويَسقطوا. رأتِ المطوقةُ الصيادَ يُطارِدُهُنَّ، فاقترحتْ على السربِ الطيرانَ نحو "العُمْرانِ" والمُدُنِ لِيَختفوا عن أنظارِهِ. وحينَ خافتِ الحماماتُ من التعبِ، طَمْأنَتْهُنَّ المطوقةُ بأنها تَعرفُ صديقاً قديماً لها، وهو "جُرَذٌ" يسكنُ في جُحْرٍ قريبٍ، يمكنُهُ أن يَقرضَ الشبكةَ بأسنانِهِ ويُخَلِّصَهُنَّ.

اتجهَ الحمامُ إلى جُحْرِ الجُرَذِ، وفشلَ الصيادُ في اللحاقِ بهنَّ فعادَ من حيثُ أتى، بينما ظَلَّ الغرابُ يتبعُهُنَّ لِيَرى كيفَ ستنتهي القصةُ. نادتِ المطوقةُ صديقَها الجُرَذَ، فخرجَ مَذْعوراً وحَزيناً لِما أصابَها وسألَها: "ما الذي أوقعَكِ في هذا المأزقِ؟". فأجابتْهُ بأنَّ هذا قَدَرٌ مَكتوبٌ، وطلبتْ منه أن يَقرضَ الحِبالَ لِيُحَرِّرَهُنَّ.

بدأَ الجُرَذُ يَقرضُ الحبالَ من جهةِ المطوقةِ أولاً، لكنها طلبتْ منه طَلباً غريباً قائلةً: "ابدأْ بقرضِ حبالِ سائرِ الحمامِ أولاً، ثم تَعالَ إليَّ في الآخِرِ". استغربَ الجُرَذُ وسألها إن كانتْ لا تهتمُّ لِنَفْسِها، فأوضحتْ له بحكمةٍ: "أخافُ إن بدأتَ بي أن تَتعبَ وتَمَلَّ فَتَتْرُكَ باقي الحمامِ، وأنا أعلمُ أنك مهما تَعِبْتَ فلن تَرْضى أن تَتْرُكَني في الأَسْرِ لأني صديقتُكَ". أُعجِبَ الجُرَذُ بذكائِها وإيثارِها، وعَمِلَ بِنشاطٍ حتى حَرَّرَ السربَ كاملاً. شكرتِ المطوقةُ صديقَها الجُرَذَ، وطارتْ مع رفيقاتِها وهُنَّ في غايةِ السعادةِ بالحُريةِ والنجاةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم