كليلة و دمنة 03 دمنة مجرماً
لَمَّا انْتَهَى الأَسَدُ مَلِكُ الغَابَةِ مِنْ قَتْلِ صَدِيقِهِ الثَّوْرِ (شَتْرَبَةَ) بَعْدَ أَنْ صَدَّقَ أَكَاذِيبَ الثَّعْلَبِ، أَسْرَعَ (دِمْنَةُ) إِلَى أَخِيهِ (كَلِيلَةَ) وَعَلَامَاتُ السَّرُورِ تَبْدُو عَلَى وَجْهِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِزَهْوٍ أَنَّ حِيلَتَهُ قَدْ نَجَحَتْ تَمَاماً فِي الإِيقَاعِ بَيْنَ المَلِكِ وَالثَّوْرِ، وَأَنَّهُ قَدْ انْتَهَى مِنْ عَدُوِّهِ وَتَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَى الأَبَدِ. حَزِنَ (كَلِيلَةُ) حُزْناً شَدِيداً، وَنَظَرَ إِلَى أَخِيهِ بِأَسَفٍ وَقَالَ لَهُ: لَقَدْ نَهَيْتُكَ يَا دِمْنَةُ عَنِ المَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، وَحَذَّرْتُكَ مِنَ الإِيقَاعِ بَيْنَ الأَبْرِيَاءِ بِالكَذِبِ وَالزُّورِ وَالبُهْتَانِ، حَتَّى بَلَغَ بِكَ الأَمْرُ أَنْ تَتَخَلَّصَ مِنْ مَنَافِسِكَ بِهَذِهِ الحِيلَةِ الدَّنِيئَةِ وَالفَعْلَةِ الخَسِيسَةِ. لَكِنَّكَ لَمْ تُنْصِتْ إِلَى كَلَامِي، وَلَمْ تَسْتَمِعْ إِلَى نَصِيحَتِي، حَتَّى تَسَبَّبْتَ فِي قَتْلِ بَرِيءٍ لَمْ يَرْتَكِبْ ذَنْباً.
ضَحِكَ (دِمْنَةُ) سَاخِراً وَقَالَ فِي غُرُورٍ: أَيُّهَا الأَخُ الطَّيِّبُ، إِنَّ الغَايَةَ تُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ، وَلَقَدْ كَانَتْ غَايَتِي شَرِيفَةً وَهِيَ أَنْ أَسْتَرِدَّ مَكَانَتِي الرَّفِيعَةَ عِنْدَ الأَسَدِ وَأَصِيرَ وَزِيرَهُ المُقَرَّبَ، فَلَيْسَ مُهِمّاً عِنْدِي إِنْ مَاتَ الثَّوْرُ أَوْ بَقِيَ حَيّاً. فَرَدَّ عَلَيْهِ (كَلِيلَةُ) بِغَضَبٍ: أَنْتَ أَنَانِيٌّ وَحَقِيرٌ، لَا تَهْتَمُّ إِلَّا بِتَحْقِيقِ مَصْلَحَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّمَنُ رُؤُوسَ الأَصْدِقَاءِ. وَكَانَ النَّمِرُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ يَمُرُّ قَرِيباً مِنْهُمَا، فَسَمِعَ كُلَّ كَلِمَةٍ دَارَتْ بَيْنَهُمَا، وَحَفِظَ هَذَا السِّرَّ فِي رَأْسِهِ وَكَمَنَ فِي مَكَانِهِ لِيَسْتَمِعَ إِلَى بَقِيَّةِ الحَدِيثِ.
تَابَعَ (كَلِيلَةُ) تَحْذِيرَهُ قَائِلاً: لَقَدْ جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ جِنَايَةً كَبِيرَةً، وَسَوْفَ تَنْدَمُ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، فَلَوْ انْكَشَفَ أَمْرُكَ لِلأَسَدِ وَعَرَفَ غَدْرَكَ فَلَنْ يَرْحَمَكَ أَبَداً، وَسَيَقْتُلُكَ مَخَافَةَ شَرِّكَ. وَلِأَنَّكَ لَمْ تَقْبَلْ نُصْحِي، فَإِنَّنِي سَوْفَ أَهْجُرُكَ وَأَبْتَعِدُ عَنْكَ حَتَّى لَا أُصَابَ بِمَا سَيُصِيبُكَ. وَبَعْدَ أَنْ سَمِعَ النَّمِرُ كُلَّ شَيْءٍ، تَعَجَّبَ مِنْ غَدْرِ (دِمْنَةَ) ثُمَّ انْصَرَفَ بِهُدُوءٍ.
أَمَّا الأَسَدُ، فَقَدْ نَدِمَ نَدَماً شَدِيداً بَعْدَ قَتْلِ الثَّوْرِ، وَجَلَسَ مَهْمُوماً يَقُولُ لِنَفْسِهِ: لَقَدْ فَقَدْتُ أَعَزَّ أَصْحَابِي وَخَيْرَ مُسْتَشَارِيَّ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ صَدَّقْتُ أَنَّهُ يَخُونُنِي! رُبَّمَا كَانَ بَرِيئاً وَمَكْذُوباً عَلَيْهِ. دَخَلَ عَلَيْهِ (دِمْنَةُ) وَحَاوَلَ التَّقَرُّبَ مِنْهُ قَائِلاً: مَا لِي أَرَاكَ حَزِيناً أَيُّهَا المَلِكُ وَقَدْ هَزَمْتَ عَدُوَّكَ؟ فَأَجَابَهُ الأَسَدُ بِأَلَمٍ: أَنَا حَزِينٌ عَلَى فَقْدِ عَقْلِ (شَتْرَبَةَ) وَأَدَبِهِ وَإِخْلَاصِهِ. فَحَاوَلَ (دِمْنَةُ) مُجَدَّداً أَنْ يُبَرِّرَ الجَرِيمَةَ بِقَوْلِهِ: العَاقِلُ لَا يَرْحَمُ أَعْدَاءَهُ، وَقَدْ كَانَ الثَّوْرُ يَنْوِي قَتْلَكَ وَالاسْتِيلَاءَ عَلَى سُلْطَانِكَ.
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ بَدَأَتْ تَنْكَشِفُ حِينَ ذَهَبَ النَّمِرُ إِلَى أُمِّ الأَسَدِ، وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنْهَا العُهُودَ أَلَّا تُخْبِرَ أَحَداً عَنْ مَصْدَرِ الخَبَرِ، حَكَى لَهَا كُلَّ مَا سَمِعَهُ مِنْ حِوَارِ (كَلِيلَةَ) وَ(دِمْنَةَ). نَهَضَتِ الأُمُّ وَذَهَبَتْ إِلَى ابْنِهَا الأَسَدِ، وَوَجَدَتْهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الضَّيْقِ، فَأَخْبَرَتْهُ بِأَنَّ (دِمْنَةَ) هُوَ المَجْرِمُ الحَقِيقِيُّ وَأَنَّهُ خَدَعَهُ لِيَقْتُلَ صَدِيقَهُ. غَضِبَ الأَسَدُ غَضَباً شَدِيداً، وَأَمَرَ جُنُودَهُ بِالقَبْضِ عَلَى (دِمْنَةَ) وَإِحْضَارِهِ مُكَبَّلاً بِالسَّلَاسِلِ.
وَقَفَ (دِمْنَةُ) أَمَامَ المَلِكِ بِوَقَاحَةٍ وَسَأَلَهُ: لِمَاذَا جِئْتُمْ بِي هَكَذَا؟ فَقَالَتْ أُمُّ الأَسَدِ: لِأَنَّكَ خَائِنٌ وَغَادِرٌ، وَالمَلِكُ لَنْ يَدَعَكَ تَعِيشُ بَعْدَ اليَوْمِ. حَاوَلَ (دِمْنَةُ) المُرَاوَغَةَ وَادَّعَى البَرَاءَةَ، وَرَاحَ يُلَفِّقُ الأَكَاذِيبَ لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ، لَكِنَّ الأَسَدَ لَمْ يَعُدْ يَثِقُ بِهِ، فَأَمَرَ بِإِيدَاعِهِ السِّجْنَ وَتَسْلِيمِهِ لِلْقَاضِي لِيُحَاكَمَ عَدْلاً. وَفِي السِّجْنِ، زَارَهُ أَخُوهُ (كَلِيلَةُ) وَهُوَ يَبْكِي، فَعَلِمَ (دِمْنَةُ) أَنَّ نِهَايَتَهُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَكَانَ هُنَاكَ حَارِسٌ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِمَا لِيَشْهَدَ بِالحَقِّ فِي المَحْكَمَةِ، وَهَكَذَا وَقَعَ الظَّالِمُ فِي شَرِّ أَعْمَالِهِ.
