كليلة و دمنة 05 الأرنب والأسد

كليلة و دمنة 05 الأرنب والأسد

كليلة و دمنة 05 الأرنب والأسد

يُحكى أنَّ مجموعةً كبيرةً من الحيواناتِ والوحوشِ كانت تعيشُ قديمًا في أرضٍ مفعمةٍ بالحياة، تكثرُ فيها الأعشابُ الخضراءُ والمراعي الواسعةُ، وتجري فيها المياهُ العذبةُ بغزارة. وبسببِ خيراتِ هذه الأرضِ، كانت الحيواناتُ تعيشُ في رخاءٍ وسعادةٍ وهناءٍ تام. ولكنَّ هذا الهدوءَ لم يستمر، فقد كان هناك شيءٌ واحدٌ يُنغصُ على الحيواناتِ حياتَها ويحرمُها من الشعورِ بالأمان.

فقد كان يسكُنُ بالقربِ منها أسدٌ ضارٍ ومتوحشٌ جدًّا. كان هذا الأسدُ يهجمُ باستمرارٍ على الحيواناتِ المسكينةِ الضعيفةِ، ويصيدُ منها ما يشاءُ في كلِّ وقت. لهذا السبب، عاشت الحيواناتُ كلُّها في حالةٍ من الخوفِ الدائمِ والقلقِ المستمرِ من هجماتِ ووثباتِ هذا الأسدِ الجبَّارِ الذي لا يرحم.

وذاتَ يومٍ، قررَ قادةُ الحيواناتِ أن يجتمعوا ليفكروا في حلٍ لمصيبتِهم وما يحلُّ بهم بسببِ الأسد. تشاوروا طويلاً وتبادلوا الآراءَ حولَ الطريقةِ التي يمكنُ بها كفُّ أذى الأسدِ عنهم وتأمينِ شرِّه. وبعدَ مداولاتٍ طويلةٍ وشاقةٍ، توصلوا إلى اتفاقٍ وحلٍ نهائي، فتوجهوا جميعًا لمقابلةِ الأسدِ في عرينه.

عندما وصلوا، قالوا له بكلِّ أدبٍ وهيبة: "أيُّها الأسدُ المُهابُ، إنكَ تهاجمُنا كلَّ يومٍ لتصطادَ واحداً منا، وقد لاحظنا أنَّ مطاردتَنا تُكلفُكَ جُهداً كبيراً، وتُصيبُكَ بالتعبِ والإرهاقِ بسببِ الحرِّ والجريِ والقفزِ الطويلِ حتى تظفرَ بصيدك". تعجبَ الأسدُ من كلامِهم وسألَهم: "وماذا ترونَ في ذلك؟!".

أجابَ قائدُ الحيواناتِ بذكاء: "إننا نُشفقُ عليكَ من هذا التعبِ والنَّصب، ولذلك وصلنا إلى حلٍ فيه مصلحةٌ لكَ وأمانٌ لنا". سألَ الأسدُ بفضول: "وما هو هذا الحلُّ؟!". فقالَ القائد: "لقد قررنا أن نُرسلَ إليكَ كلَّ يومٍ حيواناً واحداً منا في وقتِ غدائكَ تماماً، ليكونَ وجبتَكَ الجاهزة، بشرطِ أن تمنحَنا الأمانَ وتتوقفَ عن إخافتنا ومطاردتنا". وافقَ الأسدُ على هذا العرضِ وقال: "لقد رضيتُ بهذا الأمرِ ما دامَ يضمنُ لي راحتي ويضمنُ لكم الأمان، وسيبدأُ تنفيذُ هذا الاتفاقِ من الآن، والمهمُّ أن تلتزموا بعهدِكم حتى ألتزمَ بعهدي".

وهكذا، استراحت الحيواناتُ من خوفِها، وأصبحت تختارُ الحيوانَ الذي سيذهبُ للأسدِ عن طريقِ القُرعة. وكان الحيوانُ الذي تقعُ عليهِ القرعةُ يذهبُ للأسدِ طائعاً في موعدِ الغداءِ برفقةِ أحدِ الحراس. واستمرَّ الحالُ هكذا حتى ارتاحَ الأسدُ من عناءِ الصيدِ والقنص.

وفي أحدِ الأيامِ، وقعت القرعةُ على أرنبٍ صغيرٍ لكنَّه كانَ في غايةِ الذكاء. كانَ عليهِ أن يذهبَ ليُقدمَ نفسَه وجبةً للأسد، لكنَّه قالَ لبقيةِ الحيوانات: "لقد خطرت لي فكرةٌ ذكيةٌ ستخلصُنا من هذا الأسدِ إلى الأبد، وكلُّ ما أطلبُه منكم هو أن تُساعدوني في تنفيذِها". تساءلت الحيواناتُ بدهشةٍ عن كيفيةِ مساعدتِه ، فقالَ الأرنب: "اطلبوا من الحارسِ الذي سيرافقُني أن يتمهلَ في الطريقِ ولا يسرعَ بي، لأنَّ من أساسِ خطتي أن أصلَ إلى الأسدِ متأخراً عن موعدِ غدائِه".

وافقَ الحارسُ على طلبِ الأرنب، وانطلقَ الأرنبُ يسيرُ ببطءٍ شديدٍ وتكاسلٍ متعمدٍ حتى فاتَ موعدُ الغداءِ بكثير. وعندما اقتربَ من العرين، طلبَ من الحارسِ أن يختبئ، وتقدمَ هو وحدَه لمقابلةِ ملكِ الغابة. كان الأسدُ حينها في قمةِ غضبِه وثورتِه بسببِ الجوعِ الشديدِ الذي أحسَّ به نتيجةَ التأخر.

صرخَ الأسدُ في وجهِ الأرنب: "من أينَ أقبلتَ أيُّها الأرنب؟! ولماذا تأخرت؟!". تظاهرَ الأرنبُ بالخوفِ وقال: "يا سيدي الملك، أنا رسولُ الحيواناتِ إليك، لقد أرسلوني ومعي أرنبٌ آخرُ ليكونَ غداءً لك، ولكن في الطريقِ قابلني أسدٌ آخرُ ادعى أنَّه هو ملكُ هذه المنطقةِ وسيدُها، وأخذَ مني الأرنبَ الآخرَ بالقوة".

استمرَّ الأرنبُ في حيلتِه قائلاً: "لقد أخبرتُه أنَّ هذا غداءُ ملكِ الوحوش، لكنَّه لم يهتم، بل بدأَ يشتمُكَ ويقولُ إنَّ كلَّ طعامٍ ترسُلُه الحيواناتُ سيكونُ له هو من الآنَ فصاعداً". استشاطَ الأسدُ غضباً وزمجرَ بقوةٍ وسأل: "هل تعرفُ مكانَ هذا اللصِّ الذي تجرأَ على أخذِ غدائي؟!". أجابَ الأرنبُ بسرعة: "نعم يا سيدي، إنَّه يسكنُ في بئرٍ قريبةٍ من هنا". فقال الأسدُ بانفعال: "هيا، خذني إليهِ فوراً لتريني إياه".

مشى الأرنبُ أمامَ الأسدِ حتى وصلا إلى بئرٍ واسعةٍ وعميقةٍ جداً وممتلئةٍ بالماء. أشارَ الأرنبُ نحو البئرِ وقالَ للأسد: "انظر يا سيدي، ها هو الأسدُ اللصُّ هناك ومعهُ الأرنبُ الذي سرقَه مني". نظرَ الأسدُ في قاعِ البئر، فرأى صورتَه وصورةَ الأرنبِ منعكسةً على سطحِ الماءِ الصافي. ظنَّ الأسدُ الغبيُّ أنَّ ما يراهُ هو خصمُه الحقيقيُّ يحدقُ فيهِ متحدياً.

وبسببِ شدةِ غضبِه، لم يفكر الأسدُ في شيء، بل قفزَ بكلِّ قوتِه داخلَ البئرِ العميقةِ ليقاتلَ غريمَه ويستعيدَ غداءَه. وبما أنَّ البئرَ كانت عميقةً، فقد غرقَ الأسدُ فيها وماتَ في الحال. وهكذا، بفضلِ ذكاءِ هذا الأرنبِ الصغيرِ وحيلتِه البارعة، تخلصت كلُّ الحيواناتِ من ظلمِ الأسدِ وعاشت في أمانٍ وسلامٍ إلى الأبد

إرسال تعليق

أحدث أقدم