كليلة و دمنة 01 في خدمة الأسد

 كليلة و دمنة 01 في خدمة الأسد

كليلة و دمنة 01 في خدمة الأسد

جَلَسَ المَلِكُ (دَبْشَلِيمُ) يُنْصِتُ بِاسْتِمْتَاعٍ إلَى حَدِيثِ وَزِيرِهِ وَمُسْتَشَارِهِ الحَكِيمِ (بَيْدَبَا الفَيْلَسُوفِ)، وَأَخَذَ (بَيْدَبَا) يُحَدِّثُهُ عَنِ الصَّدَاقَةِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَحُقُوقِ كُلِّ صَدِيقٍ عَلَى صَدِيقِهِ، وَوَاجِبَاتِهِ نَحْوَهُ، حَتَّى تَدُومَ الصَّدَاقَةُ بَيْنَهُمَا. وَكَيْفَ أَنَّ الصَّدِيقَ الحَقِيقِيَّ -إذَا أَخْلَصَ لِصَدِيقِهِ- يَكُونُ أَصْفَى مِنَ الأَخِ الشَّقِيقِ، وَيَحِقُّ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَأْتَمِنَهُ عَلَى أَدَقِّ أَسْرَارِ حَيَاتِهِ. وَلِمَاذَا يَتَعَيَّنُ عَلَى المَرْءِ أَنْ يُدَقِّقَ فِي اخْتِيَارِ أَصْدِقَائِهِ؛ لِأَنَّ الصَّدِيقَ الخَيْرَ يَهْدِي إلَى طَرِيقِ الحَقِّ، وَكَيْفَ أَنَّ الصَّدِيقَ المُخْلِصَ يَكُونُ كَالعُمْلَةِ النَّادِرَةِ الَّتِي تَزْدَادُ قِيمَتُهَا عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي التَّفْرِيطُ فِيهَا بِسُهُولَةٍ.

فَلَمَّا انْتَهَى (بَيْدَبَا الفَيْلَسُوفُ) مِنْ كَلَامِهِ نَظَرَ إلَيْهِ المَلِكُ (دَبْشَلِيمُ) قَائِلًا: قَدْ تَحَدَّثْتَ فَأَجَدْتَ الحَدِيثَ عَنِ الصَّدَاقَةِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَالآنَ أُرِيدُ مِنْكَ أَيُّهَا الحَكِيمُ أَنْ تَضْرِبَ لِي مَثَلًا لِصَدِيقَيْنِ حَمِيمَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ، يُوقِعُ بَيْنَهُمَا حَاسِدٌ كَذُوبٌ مُحْتَالٌ، حَتَّى تَتَحَوَّلَ صَدَاقَتُهُمَا إلَى شَحْنَاءَ وَعَدَاوَةٍ وَبَغْضَاءَ.

فَقَالَ (بَيْدَبَا) الفَيْلَسُوفُ: إذَا أَوْقَعَ شَخْصٌ حَاسِدٌ كَذُوبٌ مُحْتَالٌ بَيْنَ صَدِيقَيْنِ حَمِيمَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَالَ صَدَاقَتَهُمَا وَمَحَبَّتَهُمَا إلَى عَدَاوَةٍ وَبَغْضَاءَ، وَأَثَارَ بَيْنَهُمَا الشَّحْنَاءَ، فَتَنْقَطِعُ صَدَاقَتُهُمَا، وَيَتَحَوَّلُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى عَدُوٍّ لِلآخَرِ. وَأَنَا أَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا لِذَلِكَ فِي قِصَّةٍ، عَسَى أَنْ تَكُونَ فِيهَا العِظَةُ وَالعِبْرَةُ.

مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثَةُ أَبْنَاءٍ، كَانَ الرَّجُلُ قَدْ صَارَ شَيْخًا، وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ أَبْنَاؤُهُ قَدْ بَلَغُوا سِنَّ الرُّشْدِ، وَبِرَغْمِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ قَدِ احْتَرَفَ حِرْفَةً، أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً يَتَكَسَّبُ مِنْهَا، فَأَخَذُوا يُنْفِقُونَ مِنْ مَالِ أَبِيهِمْ، حَتَّى كَادُوا يُفْنُونَهُ. فَلَمَّا رَأَى الأَبُ أَبْنَاءَهُ عَلَى هَذِهِ الحَالِ، لَمْ يُعْجِبْهُ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إنَّ كُلَّ إنْسَانٍ عَاقِلٍ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى إلَى تَحْقِيقِ ثَلَاثَةِ أَهْدَافٍ: سَعَةٍ فِي الرِّزْقِ، وَمَنْزِلَةٍ مُحْتَرَمَةٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَمَلِ خَيْرٍ مِنْ أَجْلِ الآخِرَةِ.

فَقَالَ الِابْنُ الأَكْبَرُ: صَدَقْتَ يَا أَبِي، هَذَا مَا يَجِبُ أَنْ يَسْعَى إلَيْهِ كُلُّ عَاقِلٍ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ. وَاسْتَمَرَّ الأَبُ قَائِلًا: وَلِكَيْ يُحَقِّقَ المَرْءُ هَذِهِ الأَهْدَافَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ وَاجِبَاتٍ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ بِهَا: اكْتِسَابَ المَالِ بِالحَلَالِ، ثُمَّ اسْتِثْمَارَ هَذَا المَالِ وَحُسْنَ القِيَامِ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْمُوَ، ثُمَّ إنْفَاقَهُ فِيمَا يُصْلِحُ المَعِيشَةَ، وَيَقُومُ بِحَاجَةِ الأَهْلِ وَالإِخْوَانِ وَالمُحْتَاجِينَ، فَيَعُودَ عَلَيْهِ نَفْعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

فَقَالَ الِابْنُ الأَوْسَطُ: هَذَا حَقٌّ يَا أَبِي. وَأَضَافَ الأَبُ شَارِحًا: فَمَنْ لَا يَعْمَلُ لَنْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ يَعِيشُ مِنْهُ، وَمَنِ اكْتَسَبَ المَالِ وَلَمْ يُحْسِنِ القِيَامَ عَلَيْهِ ضَاعَ المَالُ، وَبَقِيَ صَاحِبُهُ بِلَا مَالٍ، وَمَنِ اكْتَسَبَ المَالِ وَلَمْ يَسْتَنْمِرْهُ حَتَّى يُنَمِّيَهُ وَيُكْثِرَهُ، نَفِدَ المَالُ حَتَّى وَلَوْ كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ بِحِرْصٍ وَحَذَرٍ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يُنْفِقْهُ مِنْ أَجْلِ نَفْعِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، كَانَ كَالفَقِيرِ المُعْدِمِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ.

فَقَالَ الِابْنُ الأَصْغَرُ: قَدْ أَحْسَنْتَ يَا أَبِي، يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنَّا أَنْ يَبْحَثَ لِنَفْسِهِ عَنْ مِهْنَةٍ يَتَكَسَّبُ مِنْهَا رِزْقَهُ. وَقَالَ الِابْنُ الأَكْبَرُ: أَنَا سَأَنْطَلِقُ إلَى أَرْضِ (مِيُونَ) لِأُجَرِّبَ حَظِّي هُنَاكَ. فَوَافَقَهُ الأَبُ، وَدَعَا لَهُ بِالسَّلَامَةِ وَالرِّزْقِ.

تَجَهَّزَ الِابْنُ الأَكْبَرُ لِلسَّفَرِ، وَانْطَلَقَ مَعَ بَعْضِ أَصْدِقَائِهِ فِي مَرْكَبَةٍ يَجُرُّهَا ثَوْرَانِ، أَحَدُهُمَا كَانَ يُسَمَّى (شَتْرِبَةَ) وَالآخَرُ كَانَ يُسَمَّى (بِنْدِيَةَ). وَمَرَّتِ المَرْكَبَةُ فِي طَرِيقِهَا بِمَكَانٍ مُوحِلٍ، فِيهِ طِينٌ كَثِيرٌ لَزِجٌ، فَغَاصَتْ أَقْدَامُ (شَتْرِبَةَ) فِي الطِّينِ وَسَقَطَ فِيهِ. وَحَاوَلَ الِابْنُ الأَكْبَرُ وَأَصْدِقَاؤُهُ أَنْ يُخْرِجُوا الثَّوْرَ مِنَ الطِّينِ، فَلَمْ يُفْلِحُوا. وَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الِابْنُ الأَكْبَرُ لِأَحَدِ أَصْدِقَائِهِ: سَنَمْضِي نَحْنُ فِي طَرِيقِنَا بِالمَرْكَبَةِ بِثَوْرٍ وَاحِدٍ هُوَ (بِنْدِيَةُ) وَتَبْقَى أَنْتَ هُنَا لِحِرَاسَةِ الثَّوْرِ (شَتْرِبَةَ) حَتَّى يَجِفَّ الطِّينُ مِنْ حَوْلِ أَقْدَامِهِ، فَتُخْرِجَهُ وَتَلْحَقَ بِنَا فِي (مِيُونَ).

وَانْطَلَقَ الِابْنُ الأَكْبَرُ بِالمَرْكَبَةِ مَعَ بَقِيَّةِ أَصْدِقَائِهِ، بَيْنَمَا بَقِيَ ذَلِكَ الصَّدِيقُ الَّذِي عَيَّنَهُ لِحِرَاسَةِ ثَوْرِهِ (شَتْرِبَةَ). فَلَمَّا بَاتَ الصَّدِيقُ لَيْلَتَهُ فِي حِرَاسَةِ الثَّوْرِ، شَعَرَ بِالضِّيقِ وَتَبَرَّمَ مِنْ وَحْشَةِ المَكَانِ، فَتَرَكَ الثَّوْرَ فِي الوَحْلِ وَانْطَلَقَ، حَتَّى لَحِقَ بِالِابْنِ الأَكْبَرُ وَأَصْدِقَائِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الثَّوْرَ قَدْ مَاتَ!

أَمَّا الثَّوْرُ (شَتْرِبَةُ) فَإِنَّهُ عِنْدَمَا وَجَدَ نَفْسَهُ وَحِيدًا بِلَا أَنِيسٍ أَوْ رَفِيقٍ، أَخَذَ يُجَاهِدُ مُحَاوِلًا حَتَّى اسْتَطَاعَ أَنْ يُخَلِّصَ أَقْدَامَهُ مِنَ الطِّينِ اللَّزِجِ. ثُمَّ انْطَلَقَ يَبْحَثُ عَنْ طَعَامٍ، فَوَجَدَ مَرْجًا وَاسِعًا فِيهِ عُشْبٌ أَخْضَرُ، وَجَدْوَلُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَأَخَذَ يَأْكُلُ حَتَّى شَبِعَ ثُمَّ شَرِبَ حَتَّى ارْتَوَى. وَأَقَامَ (شَتْرِبَةُ) فِي المَرْجِ حَتَّى سَمِنَ وَأَمِنَ مِنَ الخَوْفِ، ثُمَّ أَخَذَ يَخُورُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالخُوَارِ.

وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ المَرْجِ غَابَةٌ صَغِيرَةٌ، فِيهَا أَسَدٌ ضَخْمٌ عَظِيمُ الهَيْبَةِ، وَقَدِ التَفَّتْ حَوْلَهُ السِّبَاعُ وَالذِّئَابُ وَالتَّعَالِبُ وَالفُهُودُ وَالنُّمُورُ وَبَنَاتُ آوَى وَغَيْرُهَا مِنَ الحَيَوَانَاتِ الضَّوَارِي وَالوُحُوشِ الكَوَاسِرِ. وَكَانَ الأَسَدُ مَلِكًا عَلَى كُلِّ هَذِهِ الحَيَوَانَاتِ، يَأْمُرُ وَيَنْهَى كَيْفَ شَاءَ، وَالجَمِيعُ يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ وَيُطِيعُونَهُ خَوْفًا مِنْهُ، وَيَأْتُونَهُ بِطَعَامِهِ كُلَّ يَوْمٍ.

وَكَانَ الأَسَدُ مُقِيمًا فِي مَنْزِلِهِ، لَا يَبْرَحُهُ أَبَدًا، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَأَى ثَوْرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا سَمِعَ صَوْتَهُ، فَخَافَ فِي نَفْسِهِ، وَتَعَجَّبَ مِنْ هَذَا الصَّوْتِ الغَرِيبِ المُدَوِّي الَّذِي سَمِعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الوُحُوشِ، حَتَّى لَا تَحْتَقِرَ جَهْلَهُ، وَلَا تَعُودَ تَهَابُهُ.

وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ خُدَّامِ الأَسَدِ وَأَتْبَاعِهِ المُخْلِصِينَ حَيَوَانَانِ مِنْ بَنَاتِ آوَى، أَحَدُهُمَا هُوَ (كَلِيلَةُ) وَالآخَرُ هُوَ (دِمْنَةُ). كَانَ (كَلِيلَةُ) وَ(دِمْنَةُ) لَا يَبْرَحَانِ بَابَ الأَسَدِ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَا دَهَاءٍ وَذَكَاءٍ، وَعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ.

فَقَالَ (دِمْنَةُ) لِأَخِيهِ (كَلِيلَةَ): أَلَمْ تُلاحِظْ يَا أَخِي أَنَّ الأَسَدَ مُقِيمٌ بِاسْتِمْرَارٍ فِي مَنْزِلِهِ، لَا يَبْرَحُهُ أَبَدًا؟ يَجِبُ أَنْ نُلِحَّ عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى يَرَى الدُّنْيَا. فَقَالَ لَهُ (كَلِيلَةُ) مُسْتَنْكِرًا: مَنْ نَكُونُ نَحْنُ حَتَّى نَسْأَلَ هَذَا السُّؤَالَ، وَنَتَحَدَّثَ فِيمَا يَجْسُرُ عَلَى مَلِكِنَا أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ؟ لَسْنَا وَزِيرَيْنِ وَلَا مُسْتَشَارَيْنِ مُقَرَّبِينَ مِنَ الأَسَدِ حَتَّى نُنَاقِشَهُ هَذَا الأَمْرَ.. مَا نَحْنُ إلَّا خَادِمَانِ مُضِيعَانِ، وَحَارِسَانِ يَقِظَانِ بِبَابِ المَلِكِ، نَفْعَلُ فَقَطْ مَا نُؤْمَرُ بِهِ.

فَقَالَ (دِمْنَةُ): أَعْرِفُ ذَلِكَ يَا أَخِي، وَلَكِنْ عَلَى المَرْءِ أَنْ يَسْعَى لِيَرْتَفِعَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ الوَضِيعَةِ إلَى مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ يُسَرُّ بِهَا الصَّدِيقُ، وَيَكِيدُ العَدُوَّ. فَقَالَ (كَلِيلَةُ) نَاصِحًا: إنَّ لِكُلِّ إنْسَانٍ مَنْزِلَةً وَقَدْرًا وَشَأْنًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْنَعَ بِهَا، لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ أَتْعَبَ نَفْسَهُ، وَنَغَّصَ عَيْشَهُ.

فَقَالَ (دِمْنَةُ): كَمْ مِنْ وَضِيعٍ ارْتَفَعَ إلَى أَعْلَى المَرَاتِبِ، وَكَمْ مِنْ رَفِيعِ المَقَامِ هَوَى مِنْ عَلْيَائِهِ. المَرْءُ يَا أَخِي يَرْفَعُ نَفْسَهُ مِنَ المَنْزِلَةِ الوَضِيعَةِ إلَى المَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، وَمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ يَحُطُّ نَفْسَهُ مِنَ المَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ إلَى المَنْزِلَةِ الوَضِيعَةِ، وَنَحْنُ بِمُرُوءَتِنَا أَحَقُّ بِالمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.

فَقَالَ (كَلِيلَةُ): تُرِيدُ أَنْ تَتَقَرَّبَ مِنَ الأَسَدِ، حَتَّى يُقَلِّدَكَ مَنْصِبًا رَفِيعًا، أَوْ يَجْعَلَكَ أَحَدَ مُسْتَشَارِيهِ؟ وَقَالَ (دِمْنَةُ): هَذِهِ فُرْصَتُنَا وَيَجِبُ أَلَّا نُضَيِّعَهَا. فَقَالَ (كَلِيلَةُ) مُسْتَنْكِرًا: كَيْفَ تَطْمَعُ فِي ذَلِكَ، وَلَسْتَ بِصَاحِبِ سُلْطَانٍ أَوْ مَرْكَزٍ كَبِيرٍ؟

فَقَالَ (دِمْنَةُ): الوِعَاءُ الثَّقِيلُ القَوِيُّ لَا يُعْجِزُهُ الحِمْلُ الثَّقِيلُ.. المُهِمُّ أَنْ أَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الأَسَدِ. فَقَالَ (كَلِيلَةُ) نَاصِحًا: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَا يَجْسُرُ عَلَى الإِقْدَامِ عَلَيْهَا إلَّا أَهْوَجُ، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا إلَّا قَلِيلٌ: صُحْبَةُ السُّلْطَانِ، وَالِائْتِمَانُ الأَحْمَقُ عَلَى الأَسْرَارِ، وَالإِقْدَامُ عَلَى شُرْبِ السَّمِّ لِتَجْرِبَتِهِ.

فَقَالَ (دِمْنَةُ): صَدَقْتَ، لَكِنَّ الرَّجُلَ الفَاضِلَ لَا يُحِبُّ أَنْ يُرَى إلَّا فِي أَحَدِ مَكَانَيْنِ: إمَّا مَعَ المُلُوكِ مُكَرَّمًا، وَإمَّا مَعَ العَاكِفِينَ بِبُيُوتِ اللهِ ذَاكِرًا. وَحَاوَلَ (كَلِيلَةُ) جَاهِدًا أَنْ يَرُدَّ أَخَاهُ (دِمْنَةَ) عَنْ رَغْبَتِهِ فِي التَّقَرُّبِ مِنَ الأَسَدِ وَمُصَادَقَتِهِ، لَكِنَّ (دِمْنَةَ) جَعَلَ أُذُنًا مِنْ طِينٍ وَأُذُنًا مِنْ عَجِينٍ، فَلَمْ يَسْتَمِعْ إلَى نَصَائِحِهِ، وَانْطَلَقَ إلَى دَاخِلِ المَنْزِلِ لِلِقَاءِ الأَسَدِ.

اسْتَأْذَنَ (دِمْنَةُ) وَدَخَلَ عَلَى الأَسَدِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إلَيْهِ الأَسَدُ مُسْتَنْكِرًا وَنَظَرَ إلَى بَعْضِ جُلَسَائِهِ قَائِلًا: مَنْ هَذَا المُتَفَضِّلُ؟ فَأَجَابَهُ أَحَدُ جُلَسَائِهِ قَائِلًا: إنَّهُ (دِمْنَةُ) ابْنُ فُلَانٍ. فَالتَفَتَ الأَسَدُ إلَى (دِمْنَةَ) قَائِلًا: كُنْتُ أَعْرِفُ أَبَاكَ.. أَيْنَ أَنْتَ الآنَ؟

فَقَالَ (دِمْنَةُ): أَنَا مِنْ خَدَمِكَ المُخْلِصِينَ أَيُّهَا المَلِكُ العَظِيمُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّنِي مُلَازِمٌ لِبَابِكَ لَيْلَ نَهَارَ، رَجَاءَ أَنْ تَحْتَاجَ إلَيَّ فِي أَمْرٍ خَطِيرٍ أَوْ مَشُورَةٍ، فَأُعِينَكَ فِيهِمَا بِرَأْيِي، أَوْ أَبْذُلَ لَكَ نَفْسِي. فَظَنَّ الأَسَدُ أَنَّ لَدَى (دِمْنَةَ) نَصِيحَةً أَوْ رَأْيًا مُفِيدًا جَاءَ يَتَبَسَّلُ عَلَيْهِ بِهِ، وَلِذَلِكَ التَفَتَ إلَى جُلَسَائِهِ قَائِلًا: إنَّ العَالِمَ الحَقَّ ذَا المُرُوءَةِ وَالمَشُورَةِ وَالرَّأْيِ غَالِبًا مَا يَكُونُ مَغْمُورًا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ مَنْزِلَةَ (دِمْنَةَ) قَدْ آنَ لَهَا الأَوَانُ حَتَّى تَعْلُوَ وَتَرْتَفِعَ.

فَلَمَّا أَدْرَكَ (دِمْنَةُ) أَنَّ الأَسَدَ قَدْ أُعْجِبَ بِهِ قَالَ: هَذَا يَزِيدُنِي إصْرَارًا عَلَى خِدْمَتِكَ أَيُّهَا المَلِكُ، وَثِقْ بِأَنَّنِي لَنْ أُقَصِّرَ فِي ذَلِكَ الرَّأْيِ النَّافِعِ وَالمَشُورَةِ الصَّادِقَةِ لَكَ. فَقَالَ الأَسَدُ: هَذَا مَا آمُلُهُ بِكَ.

وَيَبْدُو أَنَّ (دِمْنَةَ) قَدْ رَأَى نَظَرَاتِ الحَسَدِ فِي أَعْيُنِ الحَاضِرِينَ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّ مَا نَالَهُ مِنْ إكْرَامِ المَلِكِ لَهُ يَرْجِعُ إلَى عِلْمِهِ وَعَقْلِهِ، فَقَالَ: إنَّ المَلِكَ لَا يُقَرِّبُ الجَلِيسَ مِنْهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِآبَائِهِمْ، وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى كُلِّ رَجُلٍ بِمَا عِنْدَهُ، وَبِمَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَيَنْظُرُ إلَى مَدَى مَا يَبْذُلُهُ لَهُ مِنْ رَأْيٍ صَائِبٍ وَمَشُورَةٍ نَافِعَةٍ.

فَلَمَّا انْتَهَى (دِمْنَةُ) مِنْ كَلَامِهِ، زَادَ الأَسَدُ فِي إكْرَامِهِ لَهُ، وَقَرَّبَهُ مِنْهُ فِي مَجْلِسِهِ، وَأَغْدَقَ عَلَيْهِ الهَدَايَا، وَأَصْبَحَ يَسْتَشِيرُهُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ مُجَالَسَتِهِ. وَهَكَذَا التَحَقَ (دِمْنَةُ) بِخِدْمَةِ الأَسَدِ، فَمَاذَا سَيَفْعَلُ دِمْنَةُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَهَلْ سَيَبْقَى مُخْلِصًا أَمْ سَيَتَبَدَّلُ حَالُهُ؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم