سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 06 حَفْلُ خَيّالِ الحَقْلِ
هَبَّتْ نَسَماتٌ رَقيقَةٌ دَاعَبَتْ أَغْصانَ شَجَرَةِ التّينِ الواقِفَةِ عِنْدَ حافَةِ الحَقْلِ. في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اسْتَيْقَظَ الأَرْنَبُ الذَّكِيُّ "أَرْنُوب" مِنْ غَفْوَتِهِ، وَعِنْدَما رَأَى الأَوْراقَ الخَضْراءَ اليانِعَةَ تَقْتَرِبُ مِنَ الأَرْضِ، راحَ يَقْفِزُ عالِياً مُحاوِلاً أَنْ يَطولَها بِيَدَيْهِ الصَّغيرَتَيْنِ. أَعْجَبَتْهُ هٰذِهِ اللَُّّعْبَةُ كَثيراً، فَلَمْ يَتَنَبَّهْ إِلى قُدومِ السُّلَحْفاةِ اللَّطيفَةِ "سُلْحُوفَة" وَهِيَ تَتَهادى في مَشْيَتِها وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِإِعْجابٍ شَديدٍ. سَأَلَتْهُ سُلْحُوفَةُ بِنَبْرَةٍ فيها رَجاءٌ: "هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُساعِدَني عَلى أَنْ أَقْفِزَ مِثْلَكَ يا أَرْنُوب؟".
تَوَقَّفَ أَرْنُوب عَنِ اللَّعِبِ قَليلاً، وَالْتَفَتَ إِلَيْها قائِلاً: "لَيْسَ ذٰلِكَ مُمْكِناً يا سُلْحُوفَة". تَعَجَّبَتِ السُّلَحْفاةُ وَسَأَلَتْ عَنِ السَّبَبِ، فَأَوْضَحَ لَها أَرْنُوب أَنَّ طَبيعَةَ جِسْمِهِ تَخْتَلِفُ، فَهُوَ يَقْفِزُ وَيَتَحَرَّكُ مُعْتَمِداً عَلى ساقَيْهِ الخَلْفِيَّتَيْنِ، وَهُما أَطْوَلُ وَأَقْوى بِكَثيرٍ مِنَ الساقَيْنِ الأَمامِيَّتَيْنِ. اعْتَرَفَتْ سُلْحُوفَةُ بِأَنَّها لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ هٰذِهِ المَعْلومَةَ. وَبَدَأَ أَرْنُوب يَشْرَحُ لَها كَيْفِيَّةَ مَشْيِها هيَ، حَيْثُ تَنْقُلُ قَدَمَها الأَمامِيَّةَ اليُسْرى مَعَ الخَلْفِيَّةِ اليُمْنى، ثُمَّ تَلْحَقُ بِهِما القَدَمانِ الأُخْرَيانِ، بَيْنَما هُوَ يَنْطَلِقُ بِتَحريكِ قَدَمَيْهِ الخَلْفِيَّتَيْنِ في وَقْتٍ واحِدٍ.
بَعْدَ ذٰلِكَ، قَفَزَ أَرْنُوب لِيُحْضِرَ بَعْضَ الأَوْراقِ الخَضْراءِ مِنَ الشَّجَرَةِ لِيَتَشارَكا في أَكْلِها. وَبَيْنَما هُما يَسْتَمْتِعانِ بِالطَّعامِ، شَكَرَتْ سُلْحُوفَةُ الشَّجَرَةَ عَلى وَجْبَتِها الطّازَجَةِ. فَجْأَةً، نَطَقَتِ الشَّجَرَةُ وَقالَتْ: "هَلْ تَعْلَمانِ أَنَّ اليَوْمَ تَمُرُّ ثَلاثُ سَنَواتٍ عَلى قيامِ خَيّالِ الحَقْلِ في مَكانِهِ؟". وَاقْتَرَحَتِ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ أَنْ يُقيموا لَهُ حَفْلاً كَبيراً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَقْديراً لِجُهودِهِ.
تَهامَسَ الأَصْدِقاءُ الثَّلاثَةُ حَتّى لا يَسْمَعَهُمْ "خَيّالُ الحَقْلِ" الَّذي كانَ يَقِفُ بَعيداً يَحْرُسُ الزَّرْعَ. قَرَّرَتِ الشَّجَرَةُ أَنْ يَكونَ الحَفْلُ في ظِلِّها الوارِفِ. وَلأَنَّ خَيّالَ الحَقْلِ لَهُ ساقٌ واحِدَةٌ خَشَبِيَّةٌ وَيُعْتَبَرُ مِنْ ذَوي الِاحْتِياجاتِ الخاصَّةِ، تَبَرَّعَتِ الشَّجَرَةُ بِصُنْعِ عُكّازَيْنِ لَهُ مِنْ خَشَبِها لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الحَرَكَةِ. أَمّا سُلْحُوفَةُ فَقَدْ وَعَدَتْ بِتَحْضيرِ كَعْكَةٍ لَذيذَةٍ ، وَتَعَهَّدَ أَرْنُوب بِإِحْضارِ جِلْبابٍ جَديدٍ لِيَرْتَدِيَهُ بَدَلاً مِنْ ثَوْبِهِ المُمَزَّقِ.
عِنْدَما حانَ الوَقْتُ، حَمَلَتْ سُلْحُوفَةُ العُكّازَيْنِ عَلى ظَهْرِها القَوِيِّ، وَساعَدَها أَرْنُوب في تَوازُنِهِما. ذَهَبا إِلى خَيّالِ الحَقْلِ، وَساعَداهُ عَلى ارْتِداءِ ثَوْبِهِ الجَديدِ وَالِاتِّكاءِ عَلى العُكّازَيْنِ. كانَ خَيّالُ الحَقْلِ في دَهْشَةٍ كَبيرةٍ مِمّا يَحْدُثُ. سارَ الجَميعُ نَحْوَ مَكانِ الحَفْلِ، وَكانَتِ الطُّيورُ الَّتي تَسْكُنُ الشَّجَرَةَ قَدْ قَرَّرَتِ المُشارَكَةَ أَيْضاً، فَبَدَأَتْ تَغْرِدُ بِأَجْمَلِ الأَلْحانِ وَتَعْزِفُ مَقْطوعَةً عَذْبَةً.
وَضَعَتِ الكَعْكَةُ عَلى مائِدَةٍ صَغيرَةٍ، وَأَوْقَدوا ثَلاثَ شَمْعاتٍ تُرْمِزُ لِلسَّنَواتِ الثَّلاثِ. شَعَرَ خَيّالُ الحَقْلِ بِالقَلَقِ لَحْظَةً، وَظَنَّ أَنَّ الطُّيورَ سَتَهْجُمُ عَلى المَحْصولِ في غِيابِهِ، لٰكِنَّ الشَّجَرَةَ طَمْأَنَتْهُ بِأَنَّ الطُّيورَ وَعَدَتْ بِأَلّا تُغادِرَ مَكانَها. غَنّى الجَميعُ لَهُ بَهْجَةً، وَأَلْقَتْ سُلْحُوفَةُ كَلِمَةً شَكَرَتْهُ فيها عَلى إِخْلاصِهِ في عَمَلِهِ.
تَأَثَّرَ خَيّالُ الحَقْلِ كَثيراً وَبَكى مِنَ الفَرَحِ، وَسَأَلَهُمْ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُكافِئَهُمْ. فَأَجابَهُ أَرْنُوب بِحِكْمَةٍ: "هَداياكَ يا صَديقي سَبَقَتْ هَدايانا، فَقَدْ صُنْتَ الزَّرْعَ وَالمَحْصولَ بِأَمانَةٍ". وَأَضافَتْ سُلْحُوفَةُ أَنَّ هُناكَ هَدايا مَعْنَوِيَّةً لا تُرى بِالعَيْنِ وَهيَ الأَغْلى. في نِهايَةِ الحَفْلِ، طَلَبَ خَيّالُ الحَقْلِ مِنَ الأَصْدِقاءِ أَنْ يُساعِدوهُ لِيَعودَ إِلى مَكانِهِ، لِيُكْمِلَ مُهِمَّتَهُ العَظيمَةَ في حِراسَةِ الحَقْلِ بِكُلِّ حُبٍّ.
سلحوفة وأرنوب