سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 09 الثَّعْلَبِ الْمَكَّارِ

سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 09 الثَّعْلَبِ الْمَكَّارِ

فِي زَمَنٍ بَعِيدٍ، كَانَ الْعَالَمُ مَا زَالَ جَدِيداً، وَكَانَتْ جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ تَعِيشُ مَعاً فِي تَعَاوُنٍ وَنَشَاطٍ لِكَيْ تَجْعَلَ مَكَانَ عَيْشِهَا أَفْضَلَ وَأَجْمَلَ. كَانَ الصَّدِيقَانِ، الأَرْنَبُ الذَّكِيُّ "أَرْنُوبُ" وَالسُّلَحْفَاةُ الصَّبُورَةُ "سُلْحُوفَةُ"، يَعْمَلَانِ بِجِدٍّ كَبِيرٍ فِي الْحَقْلِ. كَانَ أَرْنُوبُ يَقْفِزُ هُنَا وَهُنَاكَ لِيَقْتَلِعَ الْحَشَائِشَ الضَّارَّةَ مِنْ جُذُورِهَا بِأَسْنَانِهِ الْقَوِيَّةِ وَيَدَيْهِ السَّرِيعَتَيْنِ، بَيْنَمَا كَانَتْ سُلْحُوفَةُ تَمْشِي بِهُدُوءٍ وَتُسَوِّي التُّرْبَةَ بِقَدَمَيْهَا لِتُصْبِحَ جَاهِزَةً لِلزِّرَاعَةِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ حَوْلَهُمَا كَانَ الْجَمِيعُ مَشْغُولاً.

فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، كَانَتْ شَمْسُ الظَّهِيرَةِ قَوِيَّةً جِدّاً، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَةُ الْجَوِّ حَتَّى شَعَرَ أَرْنُوبُ بِالتَّعَبِ الشَّدِيدِ، وَبَدَأَ الْعَرَقُ يَتَصَبَّبُ مِنْ جَبِينِهِ الْفَرْوِيِّ. تَوَقَّفَ أَرْنُوبُ عَنِ الْعَمَلِ وَنَادَى صَدِيقَتَهُ: "يَا سُلْحُوفَةُ، لَقَدْ بَذَلْتُ جُهْداً كَبِيراً الْيَوْمَ وَأَشْعُرُ أَنَّ جَسَدِي يَحْتَاجُ إِلَى الرَّاحَةِ". نَظَرَتْ إِلَيْهِ سُلْحُوفَةُ بِعَيْنَيْهَا الطَّيِّبَتَيْنِ وَقَالَتْ: "لَكَ ذَلِكَ يَا صَدِيقِي، فَقَدْ أَتْمَمْتَ عَمَلَكَ بِإِتْقَانٍ، وَمِنْ حَقِّكَ أَنْ تَنْعَمَ بِبَعْضِ الرَّاحَةِ".

وَلَكِنْ، لَمْ يَكُنْ الْجَمِيعُ يَعْمَلُ بِصِدْقٍ، فَقَدْ كَانَ الثَّعْلَبُ "مَكِيرٌ" يَتَظَاهَرُ بِالشُّغْلِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَتَسَلَّلُ وَيُرَاقِبُ الْآخَرِينَ لِيَسْرِقَ جُهْدَهُمْ أَوْ يَسْخَرَ مِنْهُمْ. سَمِعَ مَكِيرٌ حَدِيثَ الصَّدِيقَيْنِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَتْبَعَ أَرْنُوباً بِخُفْيَةٍ. وَصَلَ أَرْنُوبُ إِلَى بِئْرٍ قَدِيمَةٍ، وَوَجَدَ دَلْواً مَلِيئاً بِالْمَاءِ الْبَارِدِ مَوْضُوعاً عَلَى حَافَتِهَا، فَشَرِبَ حَتَّى ارْتَوَى، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَاءِ وَفَكَّرَ: "يَا لَهُ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ مُنْعِشٍ! لِمَاذَا لَا أَقْفِزُ دَاخِلَ الدَّلْوِ وَأَجْعَلُهُ حَمَّاماً لِي لِأُبَرِّدَ جَسَدِي؟". نَسِيَ أَرْنُوبُ نَصِيحَةَ سُلْحُوفَةَ الدَّائِمَةَ لَهُ: "لَا تَتَعَجَّلْ يَا أَرْنُوبُ فِي أُمُورِ الْحَيَاةِ".

بِمُجَرَّدِ أَنْ قَفَزَ أَرْنُوبُ دَاخِلَ الدَّلْوِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ! بِسَبَبِ ثِقْلِهِ، بَدَأَ الدَّلْوُ يَنْزِلُ بِسُرْعَةٍ إِلَى أَعْمَاقِ الْبِئْرِ، وَبَدَأَ الدَّلْوُ الْآخَرُ يَصْعَدُ إِلَى أَعْلَى. خَافَ أَرْنُوبُ فِي الْبِدَايَةِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى الْقَاعِ وَجَدَ الْمَاءَ عَمِيقاً وَبَارِداً، فَجَلَسَ يَنْتَظِرُ فِكْرَةً تُنْقِذُهُ.

فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، وَصَلَ الثَّعْلَبُ مَكِيرٌ إِلَى حَافَةِ الْبِئْرِ وَنَظَرَ إِلَى الأَسْفَلِ، فَنَادَى: "يَا أَرْنُوبُ، مَاذَا تَفْعَلُ هُنَاكَ؟". فَهِمَ أَرْنُوبُ أَنَّ الثَّعْلَبَ يُرِيدُ الإِيقَاعَ بِهِ، فَقَالَ بِصَوْتٍ فَرِحٍ: "آهٍ يَا مَكِيرُ! لَوْ تَعْلَمُ مَا وَجَدْتُ! إِنَّنِي فِي مَكَانٍ رَائِعٍ مَلِيءٍ بِالأَسْمَاكِ الشَّهِيَّةِ، إِنَّنِي آكُلُ وَأَلْعَبُ!". لَمْ يَتَمَالَكِ الثَّعْلَبُ الطَّمَّاعُ نَفْسَهُ وَقَالَ: "أُرِيدُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ، كَيْفَ أَنْزِلُ؟". فَأَجَابَهُ أَرْنُوبُ: "الأَمْرُ بَسِيطٌ جِدّاً، ارْكَبْ فِي الدَّلْوِ الَّذِي بِجَانِبِكَ وَسَيُوصِلكَ فَوْراً".

قَفَزَ مَكِيرٌ فِي الدَّلْوِ الْفَارِغِ، وَلأَنَّ الثَّعْلَبَ أَثْقَلُ، بَدَأَ دَلْوُهُ يَهْبِطُ، وَبَدَأَ دَلْوُ أَرْنُوبَ يَصْعَدُ. وَفِي مُنْتَصَفِ الْبِئْرِ تَقَابَلَا، فَنَظَرَ أَرْنُوبُ إِلَيْهِ وَقَالَ بِحِكْمَةٍ: "يَا مَكِيرُ، هَكَذَا هِيَ الْحَيَاةُ؛ نَاسٌ تَصْعَدُ وَنَاسٌ تَنْزِلُ، وَمَنْ حَفَرَ حُفْرَةً لِأَخِيهِ وَقَعَ فِيهَا!". وَصَلَ أَرْنُوبُ إِلَى أَعْلَى وَخَرَجَ بِيُسْرٍ، بَيْنَمَا بَقِيَ مَكِيرٌ فِي الأَسْفَلِ يَبْحَثُ عَنِ الأَسْمَاكِ وَلَا يَجِدُ إِلَّا الْمَاءَ. رَكَضَ أَرْنُوبُ إِلَى سُلْحُوفَةَ وَحَكَى لَهَا مَا حَدَثَ، فَضَحِكَتْ وَقَالَتْ: "أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَتَعَجَّلْ؟ وَلَكِنَّ ذَكَاءَكَ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ مَكْرِ الثَّعْلَبِ".

سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب

إرسال تعليق

أحدث أقدم