سُلْحُوفَة وأَرْنُوب 04 هَيَّا إِلَى البِنَاءِ

سُلْحُوفَة وأَرْنُوب 04 هَيَّا إِلَى البِنَاءِ

سُلْحُوفَة وأَرْنُوب 04 هَيَّا إِلَى البِنَاءِ

فِي صَبَاحٍ جَمِيلٍ تَلَأْلَأَتْ فِيهِ الشَّمْسُ بِأَشِعَّتِهَا الذَّهَبِيَّةِ، تَلَقَّى الأَرْنَبُ الذَّكِيُّ «أَرْنُوبُ» دَعْوَةً لَطِيفَةً وَرَقِيقَةً مِنْ صَدِيقَتِهِ السُّلَحْفَاةِ الصَّبُورَةِ «سُلْحُوفَةَ»، لِتَنَاوُلِ طَعَامِ الغَدَاءِ عَلَى مَائِدَتِهَا العَامِرَةِ بِأَطْيَبِ المَأْكُولَاتِ. كَانَتِ المَائِدَةُ مُرَتَّبَةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَكَانَتْ قَصِيرَةً لَا تَعْلُو كَثِيرًا عَنِ الأَرْضِ؛ لِتُنَاسِبَ طُولَهُمَا الصَّغِيرَ وَتَجْعَلَ جِلْسَتَهُمَا مُرِيحَةً. وَمَا إِنْ وَصَلَ «أَرْنُوبُ» حَتَّى بَهَرَتْهُ رَائِحَةُ الخُضْرَاوَاتِ الطَّازَجَةِ؛ فَقَدْ وُضِعَتْ فَوْقَ المَائِدَةِ أَطْبَاقٌ مُلَوَّنَةٌ مِنَ الخَسِّ الأَخْضَرِ، وَالجَزَرِ البُرْتُقَالِيِّ المَقْرْمِشِ، وَالكُرُنْبِ، وَالفُجْلِ، وَالجَرْجِيرِ الَّذِي قُطِفَ لِتَوِّهِ.

هَتَفَ «أَرْنُوبُ» عِنْدَمَا شَاهَدَ تِلْكَ المَأْكُولَاتِ الشَّهِيَّةَ بِحَمَاسٍ بَالِغٍ: «يَا لَهَا مِنْ خُضْرَةٍ يَانِعَةٍ، مَلِيئَةٍ بِالفِيتَامِينَاتِ الَّتِي تَمْنَحُ الأَجْسَامَ القُوَّةَ وَالنَّشَاطَ!». خَفَضَتْ «سُلْحُوفَةُ» رَأْسَهَا فِي تَوَاضُعٍ جَمِيلٍ وَهِيَ تَقُولُ بِنَبْرَةٍ رَقِيقَةٍ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الوَلِيمَةُ لَائِقَةً بِكَ يَا صَدِيقِي العَزِيزَ». وَبَعْدَ أَنِ اسْتَمْتَعَا بِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ الشَّهِيِّ وَامْتَلَأَتْ مَعِدَتُهُمَا بِالخَيْرَاتِ، اقْتَرَحَ «أَرْنُوبُ» قَائِلًا: «بَعْدَ الغَدَاءِ، نَسْتَرِيحُ لِوَقْتٍ قَصِيرٍ، ثُمَّ نَخْرُجُ مَعًا لِلْبَحْثِ عَنْ عَمَلٍ نَنْفَعُ بِهِ أَنْفُسَنَا». فَأَيَّدَتْهُ «سُلْحُوفَةُ» بِرَزَانَةٍ قَائِلَةً: «أَحْسَنْتَ القَوْلَ يَا «أَرْنُوبُ»، فَالبَطَالَةُ بَطَّالَةٌ، وَالفَرَاغُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالسَّأَمِ، أَمَّا العَمَلُ فَهُوَ بَرَكَةٌ وَسَعَادَةٌ».

مَضَى الصَّدِيقَانِ يَسِيرَانِ فِي الطَّرِيقِ بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَبَادَلَانِ أَطْرَافَ الحَدِيثِ، وَجَدَا فَجْأَةً حَجَرًا ضَخْمًا جِدًّا يَقْبَعُ فِي مُنْتَصَفِ الشَّارِعِ، بِحَيْثُ يَكَادُ يَسُدُّ الطَّرِيقَ تَمَامًا وَيَمْنَعُ المَارَّةَ مِنَ العُبُورِ بِيُسْرٍ. دَارَا حَوْلَ الحَجَرِ الكَبِيرِ بِتَعَجُّبٍ، وَسَأَلَ «أَرْنُوبُ» مُتَسَائِلًا: «مَنْ هَذَا الَّذِي وَضَعَ أَمَامَنَا حَجَرَ عَثْرَةٍ هَكَذَا؟». لَمْ تَنْتَظِرْ «سُلْحُوفَةُ» كَثِيرًا، بَلْ قَالَتْ بِمَسْؤُولِيَّةٍ: «عَلَيْنَا أَنْ نُبْعِدَهُ وَنُزِيحَهُ عَنِ الطَّرِيقِ لِكَيْ لَا يَتَعَثَّرَ بِهِ أَحَدٌ».

بَدَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدْفَعُ الحَجَرَ بِقَدَمَيْهِ الأَمَامِيَّتَيْنِ بِكُلِّ مَا مَلَكَا مِنْ قُوَّةٍ وَعَزِيمَةٍ. كَانَ الحَجَرُ ثَقِيلًا، لَكِنَّ تَعَاوُنَهُمَا جَعَلَهُ يَتَدَحْرَجُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى صَارَ بَعِيدًا عَنِ المَسَارِ. وَيَا لَلْمُفَاجَأَةِ! فَمَا إِنْ تَحَرَّكَ الحَجَرُ مِنْ مَكَانِهِ، حَتَّى ظَهَرَتْ مِنْ تَحْتِهِ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الحَشَرَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ مَحْبُوسَةً وَلَا تَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ. صَاحَتِ الحَشَرَاتُ بِفَرَحٍ عَارِمٍ: «شُكْرًا لَكُمَا.. شُكْرًا لَكُمَا أَيُّهَا الطَّيِّبَانِ! لَقَدْ أَنْقَذْتُمَا حَيَاتَنَا مِنَ السَّحْقِ وَالمَوْتِ!». وَتَقْدِيرًا لِمَعْرُوفِهِمَا، سَارَعَتِ الحَشَرَاتُ إِلَى البُسْتَانِ المُجَاوِرِ، وَقَطَفَتْ زُهُورًا بَرِيَّةً زَاهِيَةَ الأَلْوَانِ وَقَدَّمَتْهَا لَهُمَا فِي مَشْهَدٍ مَلِيءٍ بِالمَحَبَّةِ وَالامْتِنَانِ.

تَابَعَ الصَّدِيقَانِ مَسِيرَهُمَا وَالرِّضَا يَمْلأُ قَلْبَيْهِمَا، حَتَّى وَصَلَا إِلَى مَبْنًى عِمْلَاقٍ جَذَبَ أَنْظَارَهُمَا، إِذْ عُلِّقَتْ عَلَيْهِ لَافِتَةٌ كَبِيرَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ وَاضِحٍ: «شَرِكَةُ الأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ لِصَاحِبِهَا الدُّبِّ قُطْبِ بْنِ رَجَبٍ»، وَبِجَانِبِهَا لَافِتَةٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ تَقُولُ: «مَطْلُوبُ شُرَكَاءَ وَعُمَلَاءَ وَعُمَّالٍ». تَبَادَلَ «أَرْنُوبُ» وَ«سُلْحُوفَةُ» نَظَرَاتِ الحَمَاسِ، وَقَرَّرَا الدُّخُولَ فَوْرًا لِقَابَلَةِ صَاحِبِ الشَّرِكَةِ. اسْتَقْبَلَهُمَا الدُّبُّ «قُطْبٌ» بِتَرْحَابٍ وَبَشَاشَةٍ، فَسَأَلَهُ «أَرْنُوبُ»: «فِيمَ تَعْمَلُ شَرِكَتُكَ يَا سَيِّدِي الدُّبَّ؟». فَأَجَابَ الدُّبُّ بِفَخْرٍ: «نَحْنُ نَعْمَلُ فِي الأَحْجَارِ، فَهَلْ لَدَيْكُمَا خِبْرَةٌ فِي هَذَا المَجَالِ؟».

ضَحِكَتْ «سُلْحُوفَةُ» بِرِقَّةٍ وَقَالَتْ: «تَرَانِي أَعِيشُ فِي بَيْتٍ هُوَ كَالحَجَرِ تَمَامًا، أَحْمِلُهُ فَوْقَ ظَهْرِي أَيْنَمَا ذَهَبْتُ». فَرَدَّ الدُّبُّ مَازِحًا: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْكُنُ فِي كَهْفٍ حَجَرِيٍّ وَسَطَ الجِبَالِ». حِينَهَا تَسَاءَلَ «أَرْنُوبُ» بِفُضُولٍ: «إِذَا كُنْتَ تَمْلِكُ شَرِكَةَ أَحْجَارٍ، فَلِمَاذَا لَا تَبْنِي لَكَ بَيْتًا حَدِيثًا أَوْ عِمَارَةً شَاهِقَةً؟». تَنَهَّدَ الدُّبُّ وَقَالَ: «هَذَا مَا أَتَمَنَّاهُ، فَلَدَيَّ كَسَّارَةٌ تَقْطَعُ الأَحْجَارَ مِنَ المَقَالِعِ، لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ إِلَى بَنَّائِينَ مَهَرَةٍ يَفْهَمُونَ لُغَةَ الحَجَرِ».

قَالَتْ «سُلْحُوفَةُ» مُسْتَعْرِضَةً مَوَاهِبَهَا: «خِبْرَتِي تَتَرَكَّزُ فِي الأَحْجَارِ الكَرِيمَةِ النَّفِيسَةِ، مِثْلَ المَاسِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالفَيْرُوزِ، فَأَنَا أُجِيدُ صَقْلَهَا حَتَّى تَلْمَعَ». وَأَضَافَ «أَرْنُوبُ» بِاعْتِزَازٍ: «أَمَّا أَنَا، فَأَسْتَخْدِمُ مَهَارَتِي لِلنَّقْشِ عَلَى اللَّوْحَاتِ الرُّخَامِيَّةِ، وَصُنْعِ تِمْثَالَاتٍ حَجَرِيَّةٍ صَغِيرَةٍ مِثْلِ «أَبِي الهَوْلِ» أَوْ تِلْكَ القُرُودِ الثَّلَاثَةِ المَشْهُورَةِ الَّتِي لَا تَرَى وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تَتَكَلَّمُ». لَكِنَّ الدُّبَّ هَزَّ رَأْسَهُ ضَاحِكًا وَقَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي بِالزِّينَةِ وَالصَّقْلِ الآنَ، أَنَا أَبْحَثُ عَمَّنْ يَبْنِي الجُدْرَانَ فَقَطْ».

خَرَجَ الصَّدِيقَانِ وَأَكْمَلَا طَرِيقَهُمَا، فَلَقِيَا فِي دَرْبِهِمَا طِفْلًا صَغِيرًا يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ المَدْرَسِيَّةَ، وَكَانَ مُنْشَغِلًا بِجَمْعِ حِجَارَةٍ مِنَ الطَّرِيقِ. سَأَلَاهُ بِتَعَجُّبٍ عَمَّا يَفْعَلُ، فَأَجَابَ الطِّفْلُ بِشَجَاعَةٍ: «أَجْمَعُ هَذِهِ الحِجَارَةَ، فَالإِنْسَانُ إِذَا وَاجَهَ وَحْشًا كَاسِرًا أَوْ عَدُوًّا يَطْمَعُ فِي أَرْضِهِ، يَقْذِفُهُ بِحَجَرٍ دِفَاعًا عَنْ كَرَامَتِهِ وَبَيْتِهِ». ثُمَّ أَخْبَرَهُمَا الطِّفْلُ عَنْ قَوْلِ كَاتِبٍ حَكِيمٍ: «إِنَّ سِلَاحَ الإِنْسَانِ الأَوَّلَ وَالأَخِيرَ هُوَ الحَجَرُ».

أُعْجِبَ الصَّدِيقَانِ بِكَلامِ الطِّفْلِ كَثِيرًا. قَالَتْ «سُلْحُوفَةُ» لِـ «أَرْنُوبَ»: «لَقَدْ لَقَّنَنِي هَذَا الصَّغِيرُ دَرْسًا لَنْ أَنْسَاهُ! الأَحْجَارُ الكَرِيمَةُ حَقًّا هِيَ الَّتِي نَبْنِي بِهَا مَسَاكِنَنَا وَنَحْمِي بِهَا دِيَارَنَا». وَقَفَ «أَرْنُوبُ» وَقَالَ بِحَمَاسٍ: «إِذَنْ، لِمَاذَا لَا نَعُودُ إِلَى الدُّبِّ قُطْبٍ؟ سَنَعْمَلُ مَعَهُ بَنَّائِينَ، لَيْسَ لِأَنْفُسِنَا فَقَطْ، بَلْ لِنَبْنِيَ بُيُوتًا لِلْحَيَوَانَاتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ مَأْوَىً». تَهَلَّلَ وَجْهُ «سُلْحُوفَةَ» وَقَالَتْ: «نَعَمْ، هَيَّا بِنَا إِلَى البِنَاءِ! فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ لَنَا دَوْرٌ فِي تَعْمِيرِ الغَابَةِ». وَهَكَذَا عَادَ الصَّدِيقَانِ إِلَى الشَّرِكَةِ، لِيَبْدَآ مَرْحَلَةً جَدِيدَةً مِلْؤُهَا العَمَلُ الشَّرِيفُ وَالبِنَاءُ المُفِيدُ.

سلحوفة وأرنوب

إرسال تعليق

أحدث أقدم