سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 03 إِجَازَةٌ سَعِيدَةٌ
ارْتَفَعَ رَنِينُ الهَاتِفِ فَجْأَةً فِي أَرْجَاءِ جُحْرِ الأَرْنَبِ الذَّكِيِّ "أَرْنُوب"، فَأَسْرَعَ بِخِفَّتِهِ المَعْهُودَةِ لِيَرْفَعَ السَّمَّاعَةَ وَيُجِيبَ بِحَمَاسٍ. كَانَتِ المُتَحَدِّثَةُ هِيَ صَدِيقَتُهُ العَزِيزَةُ "سُلْحُوفَةُ" السُّلَحْفَاةُ، وَبَعْدَ أَنْ تَبَادَلَا التَّحِيَّاتِ الطَّيِّبَةَ وَالسَّلَامَ، سَأَلَتْهُ سُلْحُوفَةُ بِاهْتِمَامٍ كَبِيرٍ: "أَيْنَ سَتَقْضِي إِجَازَتَكَ هَذَا العَامَ يَا أَرْنُوب؟". تَوَقَّفَ أَرْنُوبُ لِحَظَّةٍ وَقَدْ بَدَتْ عَلَى وَجْهِهِ عَلَامَاتُ الحَيْرَةِ، ثُمَّ سَأَلَهَا مُتَعَجِّبًا: "إِجَازَتِي؟ مَاذَا تَعْنِينَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الغَرِيبَةِ؟". أَجَابَتْهُ سُلْحُوفَةُ بِنَبْرَةٍ فَرِحَةٍ: "لَقَدْ بَدَأَتْ شَرِكَاتُ السِّيَاحَةِ تَبْعَثُ إِلَيَّ بِمَطْبُوعَاتِهَا المُلَوَّنَةِ وَجَدَاوِلِ رِحْلَاتِهَا المُمْتِعَةِ، وَكُنْتُ أَتَمَنَّى مِنْ كُلِّ قَلْبِي أَنْ نَقْضِيَ هَذَا الوَقْتَ مَعًا". لَكِنَّ أَرْنُوبَ لَمْ يَسْتَوْعِبِ المَقْصُودَ بَعْدُ، فَقَالَ لَهَا: "لَمْ تَشْرَحِي لِي مَعْنَى الكَلِمَةِ بَعْدُ يَا صَدِيقَتِي"، فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ سُلْحُوفَةُ بِلَبَاقَةٍ: "إِذًا، ابْحَثْ عَنْ مَعْنَاهَا فِي المُعْجَمِ".
وَمَا إِنْ انْتَهَتِ المُكَالَمَةُ حَتَّى هَرَعَ أَرْنُوبُ إِلَى رَفِّ الكُتُبِ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَمْسَكَ بِالمُعْجَمِ الكَبِيرِ لِيَبْحَثَ عَنْ مَعْنَى كَلِمَةِ "إِجَازَة". قَلَّبَ الصَّفَحَاتِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَادَّةِ "جَازَ"، وَبَدَأَ يَقْرَأُ بِتَمَعُّنٍ: "جَازَ المَكَانَ أَيْ مَضَى فِيهِ وَقَطَعَهُ حَتَّى نِهَايَتِهِ، وَأَجَازَ الشَّيْءَ أَيْ سَمَحَ بِهِ وَارْتَضَاهُ، وَأَجَازَهُ أَيْ أَعْطَاهُ جَائِزَةً تَقْدِيرِيَّةً، أَمَّا اسْتَجَازَ فَتَعْنِي طَلَبَ الإِجَازَةَ". وَتَابَعَ القِرَاءَةَ لِيَعْرِفَ أَنَّ الإِجَازَةَ قَدْ تَكُونُ يَوْمًا وَاحِدًا فِي الأُسْبُوعِ مِثْلَ يَوْمِ الجُمُعَةِ، أَوْ فَتْرَةً سَنَوِيَّةً تَمْتَدُّ لِأَسَابِيعَ يَرْتَاحُ فِيهَا المَرْءُ مِنْ عَنَاءِ العَمَلِ. حِينَهَا شَعَرَ أَرْنُوبُ بِقَلِيلٍ مِنَ الحُزْنِ وَقَالَ لِنَفْسِهِ: "أَنَا لَا تَصِلُنِي نَشَرَاتُ السِّيَاحَةِ الجَمِيلَةِ لِأَنَّ جُحْرِي الصَّغِيرَ لَيْسَ لَهُ عُنْوَانٌ بَرِيدِيٌّ رَسْمِيٌّ".
لَمْ يَسْتَسْلِمْ أَرْنُوبُ لِلْحُزْنِ، بَلْ أَعَادَ الِاتِّصَالَ بِصَدِيقَتِهِ سُلْحُوفَةَ وَقَالَ لَهَا بِثِقَةٍ: "لَقَدْ عَرَفْتُ مَعْنَى الإِجَازَةِ يَا سُلْحُوفَةُ، وَقَدْ قَرَّرْتُ أَنْ أَقْضِيَهَا فِي رِحَابِ القِرَاءَةِ وَالمَعْرِفَةِ". سَأَلَتْهُ سُلْحُوفَةُ بِفُضُولٍ: "وَمَاذَا تَنْوِي أَنْ تَقْرَأَ فِي خَلْوَتِكَ؟"، فَأَجَابَهَا أَرْنُوبُ بِحَمَاسٍ بَالِغٍ: "سَأَقْرَأُ كُلَّ مَا كُتِبَ عَنِ الأَرَانِبِ؛ تَارِيخَهَا القَدِيمَ، وَالحِكَايَاتِ العَالَمِيَّةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنَّا، مِثْلَ قِصَّةِ (أَلِيس فِي بِلَادِ العَجَائِبِ)، وَمُغَامَرَاتِ (الأَرْنَبِ بَرِير)، وَ(الأَرْنَبِ بَتِير)". أُعْجِبَتْ سُلْحُوفَةُ بِخُطَّتِهِ لَكِنَّهَا سَأَلَتْهُ: "أَلَا تَخْشَى أَنْ تَشْغَلَ نَفْسَكَ فَقَطْ بِالقِرَاءَةِ طِوَالَ الوَقْتِ؟"، فَرَدَّ عَلَيْهَا بِفَلْسَفَةٍ جَمِيلَةٍ: "نَعَمْ، لِأَنَّ وَقْتَ الفَرَاغِ أَحْيَانًا يَكَادُ يَبْتَلِعُنِي، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَمْلَأَ جَوْفَهُ بِي إِذَا لَمْ أَشْغَلْهُ بِمَا يَنْفَعُ". أَمَّا سُلْحُوفَةُ فَقَدْ كَشَفَتْ عَنْ خُطَّتِهَا قَائِلَةً: "أَمَّا أَنَا، فَسَأَسْتَثْمِرُ وَقْتِي فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ لِزِيَارَةِ أَهْلِي وَأَقَارِبِي مِنَ السُّلَاحِفِ البَحْرِيَّةِ فِي أَعْمَاقِ البِحَارِ".
بَدَأَ أَرْنُوبُ بِتَنْفِيذِ خُطَّتِهِ، فَأَعَدَّ قَائِمَةً دَقِيقَةً بِالكُتُبِ الَّتِي سَيُبْحِرُ فِيهَا، وَتَوَقَّفَ طَوِيلًا عِنْدَ مَأْسَاةٍ تَارِيخِيَّةٍ حَدَثَتْ فِي أُسْتُرَالِيَا حِينَمَا اسْتَوْرَدَ ذَلِكَ البَلَدُ سِتَّةَ أَزْوَاجٍ فَقَطْ مِنَ الأَرَانِبِ، لَكِنَّهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ تَكَاثَرَتْ بِشَكْلٍ مَذْهُولٍ حَتَّى صَارَتْ بِالمَلَايِينِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَدْمِيرِ المَحَاصِيلِ الزِّرَاعِيَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَقْتَلِعُ النَّبَاتَاتِ مِنْ جُذُورِهَا، وَهَذَا مَا جَعَلَ النَّاسَ هُنَاكَ يُحَارِبُونَهَا. شَعَرَ أَرْنُوبُ أَنَّ أَيَّامَ الإِجَازَةِ المَعْدُودَةِ لَنْ تَكْفِيَ أَبَدًا لِقِرَاءَةِ كُلِّ هَذِهِ المَعْلُومَاتِ الضَّخْمَةِ. وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كَانَتْ سُلْحُوفَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ البِحَارِ وَتَطُوفُ بِالمُحِيطَاتِ الشَّاسِعَةِ لِتَلْتَقِيَ بِالسُّلَاحِفِ المَائِيَّةِ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْهَا بِفَرَحٍ شَدِيدٍ. لَقَدْ تَنَقَّلَتْ سُلْحُوفَةُ بَيْنَ الطَّائِرَاتِ وَالبَوَاخِرِ وَالقِطَارَاتِ وَالسَّيَّارَاتِ، وَجَمَعَتْ مَعْلُومَاتٍ غَزِيرَةً، بَلْ وَزَارَتْ أَيْضًا أَقَارِبَهَا مِنَ السُّلَاحِفِ البَرِّيَّةِ فِي قَارَّتَيْ إِفْرِيقِيَا وَآسِيَا، وَلَمْ تَنْسَ أَنْ تَلْتَقِطَ العَدِيدَ مِنَ الصُّوَرِ التِّذْكَارِيَّةِ الرَّائِعَةِ مَعَ كُلِّ مَنْ قَابَلَتْهُمْ.
وَلَمْ يَقْتَصِرْ نَشَاطُ أَرْنُوبَ عَلَى القِرَاءَةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَطْلَقَ العَنَانَ لِمَوَاهِبِهِ الفَنِّيَّةِ فِي أَوْقَاتِ فَرَاغِهِ؛ فَرَسَمَ لَوْحَاتٍ بَدِيعَةً تُصَوِّرُ الأَرَانِبَ الَّتِي قَرَأَ عَنْهَا، وَصَنَعَ مِنْ مَادَّةِ الصَّلْصَالِ تَمَاثِيلَ لِأَرَانِبَ رِيَاضِيَّةٍ تُحَاكِي حَرَكَاتِ اللَّاعِبِينَ فِي الأُولِمْبِيَادِ، بَلْ وَنَحَتَ دُمًى خَشَبِيَّةً صَغِيرَةً لِيَلْعَبَ بِهَا الأَطْفَالُ. لَقَدْ كَانَ يُجَهِّزُ كُلَّ ذَلِكَ لِيُقِيمَ مَعْرِضًا فَنِّيًّا بَعْدَ انْتِهَاءِ فَصْلِ الصَّيْفِ، كَمَا انْتَهَى مِنْ دِرَاسَاتِهِ العَمِيقَةِ عَنِ الأَرَانِبِ، وَبَدَأَ يُفَكِّرُ جِدِّيًّا فِي كِتَابَةِ رِوَايَةٍ أَدَبِيَّةٍ أَوْ مَوْسُوعَةٍ عِلْمِيَّةٍ شَامِلَةٍ تَدُورُ حَوْلَ عَالَمِهِمْ.
عِنْدَمَا انْتَهَتِ الإِجَازَةُ، عَادَتْ سُلْحُوفَةُ مِنْ رِحْلَتِهَا الطَّوِيلَةِ وَاتَّصَلَتْ بِأَرْنُوبَ عَلَى الفَوْرِ، فَهَنَّأَهَا صَدِيقُهَا بِالسَّلَامَةِ، لَكِنَّهَا فَاجَأَتْهُ بِسُؤَالٍ غَرِيبٍ: "هَلْ نَجَحْتَ فِي امْتِحَانِ الإِجَازَةِ يَا أَرْنُوب؟". تَعَجَّبَ أَرْنُوبُ وَقَالَ: "وَهَلْ لِلإِجَازَةِ امْتِحَانٌ مِثْلَ الدِّرَاسَةِ؟!"، فَأَجَابَتْهُ سُلْحُوفَةُ بِثِقَةٍ: "بِالتَّأْكِيدِ، لَقَدْ تَعَلَّمْتُ الكَثِيرَ وَقَرَأْتُ صَفَحَاتِ الكَوْنِ فِي رِحْلَاتِي". ثُمَّ اتَّفَقَ الصَّدِيقَانِ عَلَى اللِّقَاءِ، وَبَدَأَتْ سُلْحُوفَةُ تَحْكِي لَهُ بِسَعَادَةٍ كُلَّ مَا مَرَّتْ بِهِ مِنْ مَوَاقِفَ وَمُشَاهَدَاتٍ، بَيْنَمَا حَكَى لَهَا أَرْنُوبُ عَنْ رِحْلَتِهِ بَيْنَ صَفَحَاتِ الكُتُبِ وَرُسُومِهِ وَتَمَاثِيلِهِ، وَكَيْفَ كَانَ يُتَابِعُ بَطُولَاتِ الأُولِمْبِيَادِ وَيُمَارِسُ الرِّيَاضَةَ لِيُحَافِظَ عَلَى لِيَاقَتِهِ.
حِينَهَا هَتَفَتْ سُلْحُوفَةُ بِإِعْجَابٍ شَدِيدٍ: "لَقَدْ نَجَحْتَ يَا أَرْنُوبُ بِتَفَوُّقٍ بَاهِرٍ وَاسْتَحْقَقْتَ مَرْتَبَةَ الشَّرَفِ! فَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى الجَمِيعِ أَنْ يَسْتَثْمِرُوا أَوْقَاتَ فَرَاغِهِمْ بِمَا يُفِيدُ وَيُمْتِعُ". وَفِي الخِتَامِ، أُقِيمَ حَفْلٌ بَهِيجٌ لِلِاحْتِفَالِ بِنَجَاحِ الصَّدِيقَيْنِ فِي قَضَاءِ إِجَازَةٍ مِثَالِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ العَامُ الدِّرَاسِيُّ الجَدِيدُ، لِيَعُودَ الجَمِيعُ إِلَى العَمَلِ بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ بَعْدَ إِجَازَةٍ لَمْ تَكُنْ فِيهَا دَقِيقَةُ فَرَاغٍ وَاحِدَةٍ ضَائِعَةً.
سلحوفة وأرنوب